الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
السبت 18 تشرين ثاني 2017
بيانات/نداءاتتقاريرالمؤتمر الدائم للحوار اللبنانيلبنان في مجلس الأمننداءات مجلس المطارنة الموارنةمحكمة من أجل لبنانانتخابيات
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2007-04-20الكاتب:المصدر: « السابق التالي »
 دعوة الى الحوار حول تجديد العقد الاجتماعي بين اللبنانيين وإقامة الدولة المدنية
 على طريق الرابع عشر من آذار
عدد المشاهدة: 1784

يطرح "المؤتمر الدائم للحوار اللبناني" هذه الوثيقة للنقاش في إطار حركة الرابع عشر من آذار، ولا سيما على صعيد الرأي العام الذي تشكّل مع تلك الحركة، فشكل ضميرها ومرجعيتها، واستولد استقلال 2005.
ثمة حوار يجري الآن بين القيادات السياسية اللبنانية تحت قبة البرلمان، يرمي الى التفاهم على قضايا الوضع الانتقالي بعد الانسحاب السوري من لبنان. يأتي في مقدمة هذه القضايا استعادة الدولة لسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك المخيمات الفلسطينية والجنوب اللبناني، وعلى مؤسساتها الدستورية، لا سيما رئاسة الجمهورية التي لم تتحرر حتى الآن من قيد الوصاية السورية. إن هذا الحوار الجاري لهو على جانب كبير من الأهمية لطيّ صفحة الحرب وتجاوز حقبة الهيمنة السورية على لبنان. ولكن حواراً آخر من طبيعة مختلفة بات اليوم ضرورياً أكثر من أي وقت مضى، لأن سيادة الدولة ما زالت تصطدم بعائق كبير من نوع بنيوي، يتمثل في القيد الطائفي الذي يلقي بثقله على مستقبلنا الوطني، ويحول دون إرساء نظام ديموقراطي يضمن في آن معاً المساواة بين حقوق الأفراد واحترام التعدد الطائفي. ومثل هذا الحوار المطلوب يستجيب لمعنى المواطنة الذي تجلّى في الرابع عشر من آذار، من خلال مساهمته في جلاء طبيعة العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه حياتنا الوطنية، وفي تعيين طبيعة الدولة القادرة على تجسيد هذا العقد.

وتأتي مبادرة  "المؤتمر الدائم للحوار اللبناني" في سياق جهده المتواصل منذ العام 1993 لصوغ تضامن لبناني جديد يتخطى تجربة الحرب، ويؤمن بلبنان مساحةً يختبر فيها الانسان قدرته على التفاعل مع الآخر المختلف في إطار من الحرية والديموقراطية والسيادة الوطنية. وقد أسهم حاملو هذه الأفكار في عدد من المبادرات الحوارية (اللجنة الوطنية الاسلامية-المسيحية – 1993، ندوات الحوار في الجبل -1994-1997، اللقاء اللبناني للحوار – 2001...) والسياسية (لقاء سيدة الجبل – 2000، لقاء قرنة شهوان – 2001، المنبر الديموقراطي – 2001، الهيئة الوطنية للدفاع عن الجمهورية وحماية الدستور – 2004...)، وصولاً الى "انتفاضة الاستقلال" (2005)، إضافة الى اطلاق وثيقتي "مانيفست لتجديد معنى لبنان (1999) و"اعلان بيروت" (2004).

 

-I-

شكل الرابع عشر من آذار 2005 محطة فاصلة في تاريخ بلدنا.

انطلق المشاركون في صنع هذا الحدث من دوافع مختلفة. بعضهم تحرك بدافع طائفي، وبعضهم الآخر بدافع حزبي، وهناك أيضاً من تحرك بقناعات شخصية, وثمة أخيراً من تحرك برد فعل حيال القوى السياسية التي تمسكت حتى اللحظة الأخيرة ببقاء الهيمنة السورية على لبنان.

لقد ضمّت حركة الرابع عشر من آذار كل هذا التنوع. وواقع التنوع هذا هو بالتحديد ما حرّرها من محاولات المصادرة. فالحال أن أياً من مكونات هذه الحركة لا يستطيع ادعاء أبوّتها بمفرده، لأنها غير قابلة للاختزال في أيٍ من مكوناتها السياسية أو الطائفية أو المدنية. لقد أكتسبت، منذ البداية، نوعاً من الاستقلال النسبي عن مكوناتها، وهوية خاصة، لتغدو تدريجياً مرجعية الحكم على سلوك ومواقف كل مجموعة أو شخصية انتمت إليها.

ليست حركة الرابع عشر من آذار جبهة سياسية مؤلفة من أحزاب المعارضة وشخصياتها. إنها مدينة بانطلاقها لكل أولئك الذين ناضلوا منذ سنوات، كل من موقعه وعلى طريقته، لإنهاء حقبة التدخل الاسرائيلي في لبنان، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري. وهي مدينة لكل أولئك الذين عملوا بصبر، وفي أصعب الظروف، لوضع حد للنزاعات الموروثة من زمن الحرب، ولرفع الحواجز التي أقامتها الوصاية السورية بين اللبنانيين، ولمدّ جسور التواصل والتضامن بين قوى سياسية كانت حتى ذلك الوقت متباعدة أو متنافرة. وهي مدينة أيضاً لكل هؤلاء الشباب الذين تحلّوا بالشجاعة، خلال سنوات القمع السوداء، لتأكيد حق اللبنانيين بالعيش في بلد حر سيّد مستقل.

وحركة الرابع عشر من آذار مدينة أيضاً وخصوصاً للرئيس رفيق الحريري الذي مثّل استشهاده لحظة عجيبة لمصالحة كل لبناني مع ذاته ومع الآخرين. إن جوهر هذه المصالحة لا ينتمي الى حقل السياسة بمقدار انتمائه الى حقل الأخلاق، لأنه نابع من إحساس عميق بالحاجة المصيرية الى التضامن في مجتمع قطّعت أواصره سنوات الحرب الدامية ما بين 1975 و1990، ثم سنوات "حرب باردة" بعد ذلك، فحوّلته أفراداً عاجزين عن التوحّد والفعل.

 

-II-

 

مثّل الرابع عشر من آذار 2005 لحظة استطاع فيها اللبنانيون أن يتجاوزوا ماضي الحروب والآلام واليأس والإذلال، ليأخذوا بيدهم مصيرهم الوطني. إن قوة هذه اللحظة وقدرتها الاستثنائية على جذب الذين ساهموا فيها مباشرة، أو واكبوها عن بعد، تكمنان في أنها عبّرت بصورة عفوية عن إرادة اللبنانيين ورغبتهم في العودة الى "العيش معاً" في إطار وطني واضح المعالم، يملكون فيه وحدهم الولاية على أنفسهم وخياراتهم.

وقوة هذه الحركة نابعة أيضاً من كون غالبية المشاركين فيها إنما اتخذ كل منهم قراره بالمشاركة من تلقاء ذاته. لم يأتِ استجابة لنداء من خارجه، بل اعتبر نفسه معنياً بمعركة الاستقلال، بصفته الشخصية وعلى طريقته الخاصة. لقد كانت الأحزاب السياسية حاضرةً بلا ريب، ولكن حضورها كان أقلياً وسط ثلث الشعب اللبناني الذي خرج في ذلك اليوم الى ساحة الحرية والاستقلال. كان للاستقلال اللبناني عام 1943 آباء وزعماء. أما اليوم فقد صار له شعب... وهنا يكمن الفرق، كل الفرق !

في الرابع عشر من آذار تكوّن إذاً "رأي عام لبناني" بالمعنى الفعلي للكلمة، وذلك للمرة الأولى في تاريخ لبنان الحديث. هذه الواقعة شديدة الأهمية بالنسبة لمستقبل الوطن، لأنها أدخلت بعداً جديداً على الحياة السياسية التي كانت حتى ذلك الوقت محكومة بتحالفات أو خصومات زعماء الطوائف وأعيان المناطق وقادة الأحزاب.

لقد فاجأ زلزال الرابع عشر من آذار الجميع، لأنه زعزع كل يقين سياسي بدوام حالة التفكك اللبناني ودوام الوصاية، ولأنه أزال بسرعة فائقة تلك الحواجز الطائفية المرسومة بدقة بين اللبنانيين منذ عقود. إلا أنه في غمرة التطورات والاستحقاقات السياسية المتسارعة، ومع ضعف القدرة على استيعاب المفاجأة في بعض الأوساط السياسية والطائفية، نشأت مخاوف وتشنجات من هنا وهناك، كما نشأت ميول للتراجع الى الخلف. وهكذا برز على سطح حركة الرابع عشر من آذار صراعات سياسية، وتضارب مصالح، ونزعة هيمنة لدى البعض، الأمر الذي أفسح في المجال أمام جميع المتضررين من انتفاضة الاستقلال لتهديد المكاسب التي حققتها الانتفاضة. وفي ظل هذا الارتباك دفعت الانتفاضة أثماناً باهظة، يأتي في مقدمها استشهاد سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني... وكان ينبغي انتظار تظاهرة 14 شباط 2006 لعودة الروح الى حركة 14 آذار.

 

-III-

 

جسدت حركة الرابع عشر من آذار إرادة اللبنانيين ورغبتهم في العودة الى "العيش معاً"، في ظل دولة قادرة على تأمين النمو والازدهار للمجتمع، تستمد شرعيتها من العقد الاجتماعي الذي يربط ما بين اللبنانيين.

ولكن طبيعة هذا العقد الاجتماعي لم تتحدد حتى الآن بوضوح في أذهان اللبنانيين.

لطالما اعتقد اللبنانيون أن هذا العقد إنما جاء نتيجة اتفاق بين الطوائف، فأنتج عيشاً مشتركاً فائضاً عن عيش كل طائفة في نطاقها الخاص. بالتالي فإن الدولة الناشئة عن مثل هذه العقد لا يمكنها إلا أن تكون دولة طوائفية، حيث تتوزع الطوائف السلطات فيما بينها.

هذه النظرة الى الدولة جعلت منها ساحة مفتوحة لصراع طائفي كان يجري على مستويين:

داخل كل طائفة لتعيين من يمثلها على صعيد الدولة.

 ما بين الطوائف لتعيين حصة كل منها في الدولة.

كان من شأن تلك الصراعات أنها أعاقت نمو المجتمع، وأبقت البلد في حالة "حرب باردة"، كما أضعفت مناعة اللبنانيين حيال التطورات الجارية في المنطقة، فمهّدت بذلك الأرض اللبنانية لاستقبال الحرب "الساخنة" عام 1975.

لم تُفضِ الحلول المقترحة لمشكلة الدولة الطوائفية، عند الأزمات الكبرى، الى النتائج المرجوّة. ذلك أن التسويات الطائفية كانت بطبيعتها تسويات مؤقتة، لأنها قامت على موازين قوى داخلية وأقليمية متغيّرة باستمرار.

 

-IV-

 

هذه النظرة الى العقد الاجتماعي في لبنان، أي اعتباره قائماً على اتفاق في ما بين الطوائف، هي نظرة مغلوطة. فمثل هذا الاتفاق لم يوجد في يوم من الأيام. إنه أسطورة تاريخية ترتبت عليها عواقب وخيمة.

فالحال أن الميثاق الوطني لعام 1943، الذي غالباً ما يُعدّ قرينة على وجود اتفاق بين الطوائف، لم يؤسس لعقد اجتماعي بين اللبنانيين، وإنما جاء ليؤكد حاجتهم الى البقاء معاً. وقد جاء هذا التأكيد في لحظة حرجة، هي لحظة انتقال لبنان الى عهد الاستقلال، مع وجود فريقين كبيرين أراد أحدهما استمرار الانتداب، فيما أراد الآخر الاتحاد مع سوريا.

في الحقيقة أن العقد الاجتماعي بين اللبنانيين قد تأسس على "واقع العيش معاً" الذي لم يكن نتيجة اتفاق بين الطوائف، وإنما نتيجة استحالة بقاء كل طائفة على "عيشها الخاص المنفرد" بعد نشوء دولة لبنان الكبير عام 1920. هذه الاستحالة هي بالذات التي أسست "العيش معاً"، والتي لم يتنبّه اليها اللبنانيون جيداً إلا بعد محاولات عقيمة ومحزنة ل"اللاعيش معاً" خلال تجربة الحرب الأليمة.

لا يستطيع لبنان إذاً أن يتماثل مع أيٍ من مكوناته الطائفية. لكل طائفة خصائصها المميزة. هذه صحيح! أما لبنان فلا يمكن اختزاله في خصائص طائفة بعينها، كما أنه لا يشكل حاصل جمع حسابي لخصائص الطوائف. إنه أسلوب وجود الطوائف معاً، بعدما فقدت كل طائفة نمط وجودها المنفرد، وبعد استحالة عودتها الى نمط سابق. وجود الطوائف معاً هو أساس تكوين لبنان، وجوهر وجوده في العالم، وما يصنع فرادته في منطقة تقوم دولها جميعاً على العصبية الوطنية وفكرة الانصهار.

هذا الواقع أسس لأسلوب عيش جديد، لم تصنعه طائفة بعينها، وإنما صنعه الجميع معاً، وفق مفهوم الهوية اللبنانية ذات الطبيعة المركبة. وهو ما أتاح للبنان، قبل الحرب، أن يقدم مساهمة أصيلة في إغناء الحضارة العالمية، في سعيها الدؤوب الى بيئة إنسانية أفضل، مانحاً فكرة التسوية والتوافق – وهي قاعدة كل اجتماع انساني – بعداً قلّما تمّ بلوغه من قبل، ومطوراً أسلوب حياة لم يكن من السهل تحقيقه في أي مكان آخر. للأسف الشديد فإن اللبنانيين لم يدركوا قبل الحرب أهمية نمطهم الحضاري هذا، الذي يتطلّب درجة عالية من التسامح لإبقائه على مسافة وقائية من عمليات الدمج القسري التي كانت جارية على قدم وساق في سائر المنطقة.

وبطبيعته التبادلية، فإن "العيش معاً" يضع في صُلب اهتمامه ورعايته قضية العلاقة مع الآخر، التي تمثل عنصراً جوهرياً في تكوين الشخصية الانسانية، لأن الفرد لا يتكون إلا عبر العلاقة مع الآخر المختلف. علماً أن جدوى هذه العلاقة تتوقف على تضافر شرطين: الحرية التي تمنح العلاقة مشروعيتها، والتنوع الذي يجعلها مصدر غنى فردي وجماعي.

هكذا أثبت لبنان، عبر أسلوب العيش المشترك، أن استقلالية الفرد – وهي في أساس فكرة الحداثة – لا تقوم بالضرورة على حساب العلاقة مع الآخر. فهي لا تفترض القطيعة معه، وإنما البحث عن التناغم بين الفرد والجماعة، بين الحاجة الى توكيد استقلالية الفرد والحاجة الى الترابط الاجتماعي.

 

-V-

 

ظهر مفهوم العقد الاجتماعي، القائم على العيش المشترك بين البنانيين، للمرة الأولى بصورة واضحة، في اتفاق الطائف (1989).

وقد جاء هذا الاتفاق نتيجة استحالتين:

 استحالة بقاء اللبنانيين في حالة "اللاعيش معاً" التي نشأت من جراء الحرب.

 واستحالة عودة الطوائف الى نمط من العيش الخاص المنفرد، على نحو ما توهّم البعض، لأن مثل هذا النمط لم يتجسد يوماً في دولة.

لقد استند اتفاق الطائف الى هاتين الاستحالتين، لينطلق في انقاذ "العيش المشترك"، وليُقيمه على "إرادة العيش المشترك":

1- فهو يربط أولاً شرعية السلطة بقدرتها على حماية العيش المشترك الذي يمثل أساس العقد الاجتماعي. ومفهوم الشرعية هذا جديد تماماً على وعي اللبنانيين، إذ بموجبه لم تعد الشرعية قائمة على إرادة الطوائف المتعاقدة في لحظة تاريخية معينة، بل أصبحت مؤسسة على واقع العيش المشترك، المتحقق والمتطور على الدوام. بعبارة أخرى لم تعد الشرعية مؤسسة على حدث تاريخي (لم يحدث أصلاً) وإنما على واقع راهن، وأصبحت بالتالي عُرضة لمساءلة مستمرة حول مدى قيامها بواجب المحافظة على العيش المشترك. علماً أن هذا الواجب ليس عملاً يتمّ لمرة واحدة والى الأبد، بل هو مهمة قيد الانجاز الدائم.

 

2- يضع اتفاق الطائف حداً للمنطق القائم على مفهوم التعاقد بين الطوائف، وذلك بإلغائه المعيار العددي الديموغرافي الذي طالما استخدم سلاحاً في الصراع الطائفي، وباقراره المناصفة على صعيد تمثيل المسيحيين والمسلمين في السلطة. هذه المناصفة لا تعني تكريس "تقاسم" السلطة في ما بين الطوائف، بل ترمي في مرحلة أولى الى تهدئة نفوس الطوائف من خلال تمثيلها الرمزي في السلطة. هذا الأمر يسمح، في مرحلة ثانية، بإلغاء القيد الطائفي المعوّق لعمل الدولة والمضرّ بالعيش المشترك، وذلك بانشاء هيئة مستقلة، هي "مجلس الشيوخ" الذي تتمثل فيه الطوائف بصفتها تلك. بذلك يصبح الوزن الديموغرافي، أو التحالف مع الخارج تعويضاً عن النقص العددي، غير صالح للاستخدام من أجل تعديل حصة الطائفة في الدولة. ومن هذا المنظور لا تعود الطوائف في حاجة الى اختراع "مشاريع خاصة"، ولا يعود ثمة موضوع للصراع فيما بينها على هذا الصعيد. وعليه فإن "توكيد الذات الطائفية" يصبح ممكناً بطريقة وحيدة هي المنافسة في إغناء العيش المشترك الذي، بدوره، يمنح الطائفة قيمة أكبر بكثير مما يمنحها أي مشروع خاص.

 

3- ومن خلال إلغائه المعيار العددي الديموغرافي، يضع اتفاق الطائف حداً لمفهوم الأقليات اللبنانية، ويتيح إمكانات هائلة لتفاعلها بصورة أفضل. إذ تصبح كل طائفة جزءاً عضوياً من "أكثرية ذات طبيعة تعددية"، هي مجموع اللبنانيين، وذات هوية مركبة، وغير قابلة للاختزال في أحد مكوناتها. بذلك لا يعود اللبنانيون مجموعة كيانات، بل كياناً واحداً. وهذا الكيان الواحد لا يقوم على إلغاء التنوع وفرض الانصهار القسري، بل يقوم على الاعتراف بالتنوع واحترامه والمحافظة عليه.

 

4- وبكسره المنطق الأقلوي، يحرر اتفاق الطائف اللبنانيين من "عقدة الخوف من الآخر" التي تقع في أصل كل السياسات الطائفية. بذلك لا يعود الآخر خصماً ينبغي مواجهته باستمرار، لأنه يشكل خطراً وجودياً دائماً على الذات، بل يصبح عنصراً مكمّلاً وضرورياً للذات. إن هاجس الديموغرافيا لدى المسيحيين والدروز، وعقدة الاضطهاد التاريخي لدى الشيعة، وعقدة الكبت لدى السنّة، لشعورهم بأنهم أكثرية في العالم العربي وواحدة من أقليات ههنا... كل تلك العقد المعلومة لا تعود، من هذا المنظور الجديد، المحرك الأساسي للتاريخ اللبناني، حيث تحاول كل طائفة أن تضع يدها على الدولة، أو على قسم منها، بذريعة توفير "ضمانات" لوجودها.

 

5- ومن خلال التزامهم هذا العقد الاجتماعي القائم على العيش المشترك، ينتقل اللبنانيون من وضعية "عضو في جماعة طائفية" الى وضعية "مواطن" في دولة العيش المشترك. هذا لا يدعوهم الى التخلي عن انتماءاتهم الخاصة، أكانت طائفية أو مناطقية أو ثقافية أو غير ذلك، ولا عن انفتاحهم على عوالم مختلفة، أكانت عربية أو إسلامية أو غربية، ولا عن مرجعياتهم التاريخية الخاصة. على العكس من ذلك، فإن هذه الانتماءات المتنوعة مدعوّة لإغناء عيشهم المشترك بصورة متواصلة. إنها مساهمة كل منهم في المشروع الكبير.

 

6- وبتأسيسه العقد الاجتماعي على العيش المشترك، يعيد اتفاق الطائف الاعتبار لمعنى القانون، الذي يغدو تعبيراً عن إرادة عامة، ويتيح إمكانية الشروع في إقامة دولة الحق. إن العائق الرئيس أمام قيام هذه الدولة كان يكمن تحديداً في الغموض الذي اكتنف طبيعة العقد الاجتماعي اللبناني:

فالقانون المؤسّس على عقد اجتماعي منبثق من اتفاق الطوائف، "القانون المشترك"، لا يُنظر اليه إلا باعتباره نتيجة تسوية فرضتها ضرورات العيش معاً. لذلك يُعتبر الخضوع له، في نظر الطوائف، نوعاً من التنازل الذي يمكن الرجوع عنه في أي وقت، نظراً لطبيعته المؤقتة وشرعيته الضعيفة. أما "القانون الفعلي والدائم" فهو ذاك الخاص بكل طائفة. وهذه النظرة الى القانون هي التي "شرعنت" الزبائنية الطائفية في لبنان – حيث تعلو حقوق الطوائف على حقوق المواطنين -، معطّلةً بذلك عمل المؤسسات، ومفسحةً في المجال أمام كل أشكال الفساد. وفي هذا الحالة تصبح مفاهيم "الانماء المتوازن" و"محاربة الفساد" و"العدالة الاجتماعية" و"إصلاح المؤسسات" مجرد شعارات فارغة من أي مضمون، يتم استخدامها لتبرير السياسات الطائفية في عملية تقاسم الدولة.

يلغي اتفاق الطائف هذه "الثنائية القانونية" لصالح قانون واحد هو تعبير عن الإرادة العامة. إلى ذلك فإن الديموقراطية التوافقية التي أشار اليها الاتفاق لا تقوم، كما يظن ممثلو الطوائف، على تسوية أو مساكنة بين "القانون الفعلي" الخاص بكل طائفة و"القانون المشترك"، بل تقوم على صوّن وتعزيز العقد الاجتماعي المؤسّس على واقع العيش المشترك.

 

-VI-

 

لقد حان الوقت، في ضوء اتفاق الطائف، لوضع حد لسوء التفاهم التاريخي الذي حكم بناء الدولة اللبنانية. فالواقع أن هذه الدولة لم تتأسس على العقد الاجتماعي الذي يجسده عيش اللبنانيين معاً، بل تأسست على عقد وهمي بين الطوائف. وفيما كان ينبغي أن يحصل اللبنانيون على "دولة العيش المشترك"، إذ بهم يحصلون على دولة الطوائف التي عجزت على الدوام عن إدارة البلد بصورة سليمة.

إن الدولة القائمة على العيش المشترك لا يمكنها إلا أن تكون دولة مدنية، بمعنى أنها:

دولة غير طائفية، لا تمنح حقوقاً إلا للمواطنين، على قاعدة المساواة والعدالة اللتين بدونهما يغدو التنوع مصدر صراع يستجّر عنفاً ينتهي بدوره الى إلغاء التنوع.

دولة غير علمانية – بالمفهوم القديم للعلمنة -، لا تجد نفسها في حالة صراع مع طوائفها، ولا تُقْدم على اتخاذ قرارات من شأنها تهديد وجود الطوائف أو الإضرار بإرادتها في العيش معاً.

إن نظاماً ديموقراطياً، يضمن مساواة المواطنين الأفراد أمام القانون كما يضمن احترام التعدد الطائفي، هو وحده القادر على رفع القيد الطائفي الذي يُلقي بثقله على مستقبلنا الوطني، وهو القادر على إقامة دولة تتمتع بسيادة فعلية، فتصون الاستقلال بوضع حدٍ للتدخلات الخارجية التي تستدعيها الصراعات الطائفية بصورة دورية. والسيادة أيضاً هي أن تتصرف الدولة بإرادة حرة، تحت سقف القانون، فتحرر اللبنانيين أفراداً وجماعات من مفهوم "فدرالية الطوائف" وتعيد الاعتبار الى الأبعاد الثقافية للتعدد الطائفي، بوصفه نوافذ حضارية على عوالم مختلفة، لا كهوفاً تقبع فيها الطوائف.

من هذا المنظار ليس من شأن المسلمين الشيعة، مثلاً، أن يشكلوا بعد الرابع عشر من آذار قوة كابحة للتغيير في لبنان، بل خليق بهم أن يشكلوا صمام أمان في مواجهة "حرب أهلية" تترصّد المنطقة العربية، وطليعةً لاستكشاف آفاق جديدة لعالم عربي وإسلامي بات في قلب عملية التغيير. كذلك ليس من شأن المسيحيين اللبنانيين أن ينكمشوا على ذاتهم مجدداً، في انتظار "قائد مخلّص" يؤمّن لهم حماية من الطوائف الأخرى، بل خليق بهم أن يشكلوا، مع سائر مسيحيي الشرق، وجوداً فاعلاً في هذه المنطقة من العالم، وأن يمنحوا العالم العربي، ذا الأغلبية الاسلامية، تنوعاً ضرورياً لنموه، مقدّمين بذلك البرهان على أن "صراع الحضارات" ليس قدراً. أما المسلمون السنّة فليس من شأنهم أن "يتطيّفوا" ليواجهوا الآخرين، بل خليق بهم أن يؤمّنوا انفتاحاً لبنانياً أفضل على العالم العربي، ذي الأغلبية السنية، وأن يواجهوا التيارات المغالية التي تسعى، باسم الدين، الى كبح التطور في العالم العربي.

وحدها الدولة السيدة قادرة على إطلاق وتفعيل المواهب الخاصة بأسلوب العيش اللبناني. من هذه المواهب: جودة التعليم الجامعي والبحث الأكاديمي، التعدد اللغوي الذي يُسهل التواصل مع العالم، التجربة الغنية على صعيد الصحافة والطباعة والنشر، والانتاج الأدبي والفنّي، والإعلان والتسويق، وتلك الشبكة الاستثنائية التي يجسدها الانتشار اللبناني في العالم ... باختصار كل العناصر الضرورية لقيام "اقتصاد المعرفة" الذي من شأنه أن يشكل رافعة للنمو الاقتصادي العام في البلد.

هذه الإمكانات قادرة، إذا ما تمّ تفعيلها واستثمارها، أن تدخل اللبنانيين بقدم واثقة الى العولمة، وأن تتيح لهم لعب دور مؤثر في تطوير العالم العربي، مثلما فعلوا سابقاً حيث كان الإبداع اللبناني الأدبي واللغوي والفكري والصحافي فاتحة عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
 

-VII-

 

لإقامة علاقات مثمرة ومتينة بين لبنان وسوريا، من الضروري أيضاً إسقاط أسطورة أخرى، هي اسطورة "سوريا الكبرى" التي جزأها الاستعمار، من خلال اتفاقيات سايكس-بيكو، مُتيحاً بذلك قيام الكيان اللبناني. يحسن بسوريا الإقلاع عن هذا الادعاء الذي ترجمه بشكل فاقع شعار "شعب واحد في دولتين"، والتي حكمت نظرتها الى العالم.

بهذا يمكن لسوريا أن تحتل مكانها الطبيعي في العصر، وأن تتصالح مع نفسها ومع العالم. وبهذا أيضاً يمكن اجتراح "تسوية تاريخية"، تطوي صفحة الماضي وتُطبّع في العمق العلاقات بين البلدين. إن مصالحة كهذه، متعددة الأبعاد، تسمح بصوغ مشروع مشترك يجعل من البلدين، بالتعاون مع الدول العربية المحيطة، لا سيما السلطة الوطنية الفلسطينية، محور تجديد في العالم العربي. إن حضورهما الفاعل، في عالم هو قيد إعادة التشكّل، يتوقف على نهوضهما بمثل هذا الدور.
 

أيُّ دور للبنان وسوريا من هذا المنظور ؟
 

إنه دور المؤشر لطريق عربية نحو الحداثة، بتصويب مفهوم العروبة الذي تعرض لتشويهات في العمق على يد أنظمة عسكرية استخدمته مطيّة لبلوغ السلطة، وايديولوجيا لتسويق كل صنوف القمع في بلدانها. إنه العودة بالعروبة الى مفهومها النبيل، باعتبارها رابطة ثقافية وحساسية مشتركة كونتا نظرة أهلها الى أنفسهم والى الكون. إن مثل هذا الجهد ضروري وملحّ لوقف التشنجات العقيمة التي يتخبّط فيها العالم العربي، تراجعاً أو هروباً الى الأمام، ولتأمين تنمية بشرية شاملة من خلال العودة الى الممارسات الديموقراطية.

إنه دور الشراكة مع أوروبا من أجل عودة "المتوسط" منطقة تعايش وتقارب بين شعوبه وثقافاته ذات الأصول العريقة والامتدادات الشاسعة.

إنه دور المحرك لحوار اسلامي-مسيحي في المنطقة والعالم، ينتدبها اليه واقع التنوع الديني في البلدين. مثل هذا الحوار بات حاجة ماسة اليوم، لأن المواجهة بين الشمال والجنوب لم تعد تعبّر عن نفسها من خلال مصطلحات سياسية واقتصادية، من قبيل الرأسمالية في مواجهة الشيوعية، بل من خلال مصطلحات دينية، من قبيل "المسيحية في مواجهة الاسلام".

إنه أخيراً دور مركز للتفكير حول رسالة الاسلام في العالم المعاصر، والمساهمة التي بوسعه أن يقدمها في "حوار الثقافات".

إنه باختصار ذلك الدور ذاته الذي اضطلع به البلدان في النهضة العربية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي أتاح لهما تأثيراً معتبراً في مجرى الأحداث خلال القرن الماضي.

 

-VIII-

 

كان ينبغي لورشة الحوار اللبناني حول تجديد العقد الاجتماعي وإقامة الدولة المدنية على أساسه أن تعمل بقوة وإبداع بعد توقف الحرب عام 1990. ولكن مثل هذا الجهد اعترضته عقبتان رئيستان:

وضع اليد السورية على البلد، ما أدى الى الإنحراف باتفاق الطائف عن مقاصده، وجعله "تسوية طوائفية" يتطلّب تطبيقها وجود وصيّ يفصل في النزاعات بين "ممثلي" الطوائف المختلفة.

غياب كتلة تاريخية، سياسية – شعبية – ثقافية -  اقتصادية، تأخذ على عاتقها مهمة النهوض بموجبات اتفاق الطائف، نصاً وروحاً.

يمكن القول أن العقبة الأولى قد ارتفعت اليوم بانسحاب القوات السورية من لبنان، فيما لم ترتفع العقبة الثانية إلا جزئياً بقيام حركة الرابع عشر من آذار في بعدها السياسي والشعبي. إن قدرة هذه الحركة على تشكيل "الكتلة التاريخية" المطلوبة مشروطة بعدم العودة الى محاولات مصادرتها وتوظيفها في الصراعات السياسية، ومشروطة أيضاً بعدم التحول عن الهدف الذي قامت الحركة من أجله، وهو إعادة تأسيس البلد على قواعد راسخة ومستقرة.

هذا العمل التأسيسي هو جهد شامل ومشترك، يتطلب تفكيراً وتفاعلاً دائمين على مستويات مختلفة:

مستوى تكوين مفاهيم جديدة مرتبطة بطبيعة العقد الاجتماعي اللبناني وبدور لبنان في محيطه العربي والعالم. إن دور المفكرين والمثقفين والباحثين أساسي على هذا الصعيد.

مستوى الإصلاحات على صعيد الدولة والمجتمع في مختلف المجالات. وهنا تستطيع الاتحادات المهنية، والنقابات، والجامعات، ومراكز البحث، وحركات المجتمع المدني أن تأخذ دورها في بلورة التوجهات الإصلاحية وفي مراقبة تنفيذها على الوجه الصحيح.

مستوى المبادرات السياسية من أجل إقامة دولة الحق والمؤسسات. إن دور القوى السياسية ونواب الشعب حاسم على هذا الصعيد، لبلورة وإقرار المشاريع الإصلاحية المطلوبة.

إن هذا الجهد الشامل المشترك يتطلب دينامية تنسيق وتفاعل بين تلك المستويات الثلاثة المتكاملة. والحال أن مثل هذه الدينامية ظلت غائبة في السنوات الماضية، فيما كانت الهوة الفاصلة بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني آخذة في الاتّساع. ولم يبدأ الوضع بالتغّير نوعياً الا في لحظة 14 آذار، حين سقطت الحواجز وأخذت المبادرات تنطلق من كل مكان لإنجاح حركة التغيير ذات الطابع السلمي الديموقراطي بامتياز.

يتوجه الموقعون على هذه الوثيقة الى جميع المهتمين بإطلاق دينامية التنسيق والتفاعل هذه، ويدعونهم الى حوار في العمق لتعيين السبل والوسائل المؤدية الى ذلك.

بيروت ، نيسان 2006

 

الموقعون:

 

اسعد الراعي (استاذ ثانوي)، اسعد صليبا (ناشط) ،اسماعيل شرف الدين (طبيب)، السيد هاني فحص،ألين شقير برنس (محامية)، انطوان الهاشم (ناشط)، بسام خوري (مصرفي)، بشاره عيد (طبيب)، بهحت سلامه (مهندس)، توفيق يوسف (استاذ ثانوي)، جاد غسطين (مهندس)، جان بديع حرب (محام)، حسن بزيع (مهندس)، حسن محسن (صناعي)، حسين بعلبكي (ناشط)، خالد الهاشم (مهندس)، ريمون معلوف (مهندس)، سعود المولى (أستاذ جامعي)، سمير فرنجيه (نائب)، شوقي داغر (محام)، عادل ساسين (ضابط متقاعد)، عباد السخن (مدير مستشفى)، عبدو كرم (مدرس)، عصام عقيل (ناشط)، عقاب صقر (صحافي)، فؤاد الدرباس (استاذ ثانوي)، فارس سعيد (طبيب)، فيكتور جباره (طبيب)، كمال ترشيحي (طبيب)، ليلى الحسيني (ناشطة اجتماعية)، ماري كريستين مجبر موراني (مديرة مدرسة)، محمد حسين شمس الدين (باحث وكاتب)، مصباح الصمد (استاذ جامعي)، مياد حيدر (محام)، ميشال يوسف الخوري (محام)، نبيل سلهب (محام)، نزيه درويش (اعلامي)، ميشال حاجي جورجيو (صحافي).


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
تعليقات القراء عدد الردود: 1
التاريخ 28/01/2009
الاسم انطوان خليل
العنوان تجديد العقد الاجتماعي بين اللبنانيين
التعليق يا طالبي الدبس من قفا النمس
وهل يجنى من العوسج تينا
لايغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ..ومن ذا الذي سيغير!؟
ولويا اساتذة الفهم الموقعون..وماذا تتوقعون