الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأربعاء 22 تشرين ثاني 2017
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-11-03الكاتب:المصدر:جريدة الحياة « السابق التالي »
 مرحلة ما بعد فخر الدين وثورة أحمد معن - عبدالرحيم أبو حسين
 
عدد المشاهدة: 15
استمرّت العلاقات التّوسكانيّة المعنيّة بعد أسر فخر الدّين ثم إعدامه في 1635. وكان النّاجي الوحيد الذي بقي في لبنان من المعنيين بعد الهجوم العثمانيّ عام 1633 ابن أخ فخر الدّين، الأمير ملحم. وقد أرسل فيرديناند الثّاني سفينة حربيّة لتنقله من بلاد الشّام وتنقذه من الوقوع في أسر العثمانيّين، ولكن الأمير الدّرزيّ كان آنذاك هارباً مختفياً عن الأنظار، وكان من الصّعب تحديد مكان وجوده.

استمرّ التّوسكانيون في بحث الخطط لاحتلال قبرص وبلاد الشّام، كما استمرّ المعنيون الدّروز وأتباعهم والموارنة بوصفهم حجر الزاوية في هذه المخطّطات التّوسكانيّة. وفي غضون ذلك سمح العثمانيّون لملحم معن أن يتولّى التزام مناطق الشّوف والجرد والمتن وكسروان في لبنان. ويورد مؤلّف كتاب التّراجم الدمشقي المعاصر لتلك المرحلة عن ملحم أنّه كان ينام نهاراً ويبقى مستيقظاً في الليل، كما كان يفعل أسلافه، خوفاً من الهجوم عليه.

جرت بين ملحم والعثمانيّين مواجهة واحدة ذات شأن في العام 1642، وذلك عندما قاتل والي دمشق مصطفى باشا، وانتصر عليه. ويقول المحبّي إنّ ملحم كان، في ما عدا ذلك، «مطيعاً للسلطنة». ويبدو أنّ حكم مؤلف التّراجم الدّمشقيّ صحيح بالإجمال، خاصّة إذا قارنّا سيرة ملحم معن بسيرة عمّه فخر الدّين، أو ابنه أحمد. ذلك أنّه لم يعرف عنه، باستثناء مواجهته مع والي دمشق، وصراعه في أوائل حكمه المبكّر من أجل السّيطرة على الشّوف ضدّ علي علم الدّين الزعيم الدّرزيّ المنافس بعد هزيمة فخر الدّين، أيّ تمرّد ضدّ العثمانيّين، حيث لا يرد ذكر لذلك في أيّ من المصادر المحليّة والعثمانيّة، أو المصادر الأوروبيّة.

إلّا أنّ التّوسكانيين استمرّوا في مراقبة الوضع في لبنان عن كثب وذلك عبر مبعوثيهم طوال فترة حكم ملحم معن، وكذلك عبر المراسلات مع الموارنة الذين أغدقوا المديح على الأمير المعني لاستمراره في سياسة عمه في حماية الكنيسة والطّائفة المارونيّة. وبينما لم يعرف عن الأمير ملحم أنّه تراسل مباشرة مع توسكانيا، أو أيّ قوّة أوروبية أخرى، فقد كان أصدقاؤه الموارنة يبعثون دائماً بتحيّاته للبلاطين التّوسكانيّ والبابويّ.

توفّي الأمير ملحم عام 1658 مخلّفاً ولدين هما أحمد وقرقماز، اللذين سرعان ما انهمكا في صراع محلي على السّلطة، تزامن مع تمرّدهما ضدّ الوالي العثمانيّ في دمشق. وخلال مجريات هذه الاضطرابات قتل قرقماز غدراً في 1662، حسب رواية الدّويهي. في هذه الأثناء فصل العثمانيّون سنجق بيروت - صيدا وسنجق صفد عن ولاية دمشق، وأعادوا تشكيل أراضيهما تحت اسم ولاية صيدا، وذلك في استعادة لما حدث من قبل في 1614.

وربما كان العثمانيّون يتوخّون من إعادة التّنظيم هذه وضع منطقة الدّروز مباشرة تحت السّيطرة العثمانيّة المباشرة والفعّالة. إلّا أنّ هذا التّدبير قد فهم محليّاً على أنّه محاولة من قبل العثمانيّين «لليّ ذراع العرب». استطاع أحمد معن، بحلول عام 1667، أن يرسّخ سلطته في وجه منافسيه المحليين بوصفه صاحب الالتزام الأساسيّ في جبل الدّروز. وهكذا استأنف هو ومستشاروه الموارنة المراسلات مع توسكانيا. إلّا أنّ هذه المراسلات تخلو من أيّ إشارة إلى خطط محدّدة لأعمال ضدّ العثمانيّين.

أتاحت الحرب العثمانيّة- النّمساوية (1683-1699) لأحمد معن الفرصة لاستئناف العمل ضدّ العثمانيّين، كما كانت عليه الحال أيّام عمه فخرالدّين. وكان الأمر قد صدر للأمير الدّرزيّ، شأنه في ذلك شأن كافّة رجال الدّولة في بلاد الشّام، للمشاركة في الجهاد (gaza) ضدّ النّمساويين إلّا أنّه لم يمتثل للأمر، بل بادر، بدلاً من ذلك، إلى الاشتراك مع آل حمادة الشّيعة بالعصيان في منطقة جبيل (الذين تصفهم وثائق المهمّة بالقزل باش). وهكذا وضع نفسه على رأس تمرّد واسع النّطاق ضدّ العثمانيّين، استمرّ حتى وفاته عام1697. وقد أصدرت السّلطة العثمانيّة المركزيّة أوامرها المشددّة مراراً لحكام مختلف ولايات بلاد الشّام لعزله من منصبه، ومحو أثره من المنطقة، بل إعدامه. إلّا أنّه نجح دوماً بالإفلات من الاعتقال والعقاب.

ولا يمكن لنا الجزم أو تقدير مدى الدّعم الذي حصل عليه تمرّد أحمد معن هذا. إلّا أنّه من المحقّق أنّ الدّافع لمثل ذلك الدّعم كان متوفّراً.

هكذا يتّضح لنا بصورة أكيدة أنّ التّمرّد الدّرزيّ ضدّ العثمانيّين حتى عام 1633، وربما حتى النّهاية في 1697، كان يتغذّى إلى حد كبير من المخطّطات الأوروبيّة السّياسيّة والتجاريّة والدينيّة المرسومة لبلاد الشّام. وقد تصدّت البندقيّة لأخذ زمام القيادة في هذه المخطّطات الأوروبيّة في المرحلة الأولى للتمرّد خلال القرن السّادس عشر. أمّا في المرحلة الثّانية في القرن السّابع عشر، فقد حلّت قوى حديثة الصّعود كتوسكانيا محل الدّول الكبرى، كالبندقيّة، لا كمجرد قوى قرصنة في شرقيّ البحر الأبيض المتوسّط كما أشار بروديل، بل إلى ما هو أكبر من ذلك، كصاحبة مشاريع أكثر جرأة وطموحاً، كما تشير إلى ذلك حالات التّمرّد التي قام بها علي جانبولاد والمعنيون.

أمّا على المستوى المحلي، فأتاح هذا التّمرّد الطّويل الفرصة لتأسيس إمارة الشّهابيين السّنّة، التي كانت تدبيراً اتخذ بمبادرة درزيّة ووجد فيه العثمانيّيون - الذين تخلّصوا في النّهاية من المعنيين - مصلحة لهم، خاصّة حيث تضاءلت مقدرتهم على الإكراه وفرض الطّاعة بشكل ملحوظ، ليس فقط بسبب «التّمرّد الطّويل» السّابق الذّكر، ولكن أيضاً بسبب حربهم المستمرّة على الجبهة النّمساوية وهزيمتهم فيها. وقد أعطى هذا التدبير الذي شمل أواسط جبل لبنان وجنوبه، من عام 1697 حتى 1841 لهذا الكيان طابع «الإمارة» الوراثيّة.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الشّهابيين يتحدّرون من السّلالة المعنيّة عن طريق النّساء. ذلك أنّ السّلالة المعنيّة، عن طريق الذّكور، انقرضت بوفاة أحمد معن في 1697 من دون أبناء.

 
* أستاذ التاريخ العثمانيّ في الجامعة الأميركيّة ببيروت
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر