الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأربعاء 22 تشرين ثاني 2017
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-11-10الكاتب:المصدر:جريدة الحياة  التالي »
 التمرد وولادة الكيان اللبناني والأسطورة التأسيسية - عبد الرحيم أبو حسين
 
عدد المشاهدة: 19
ما كان التطور السياسي اللبناني المهم ليحدث لولا «التمرد الطويل» الذي صنع لـ «لبنان» و «اللبنانيين» بطلهم الوطنيّ، وسلالتهم المؤسسة. وهكذا فعلى رغم الخلافات الجذرية العميقة بين المؤرخين اللبنانيين التي أشرنا إليها أعلاه في ما يتصل بطبيعة لبنان وتاريخيته، وفي سياق المرحلة العثمانيّة، تبلور لدى هؤلاء المؤرّخين موقف مشترك يقف من فخر الدين المعني (توفي في 1635) موقف إجلال، وكذلك من أفراد آخرين من السلالة المعنية كأبطال مؤسسين لشيء ما. 

بالنسبة إلى القوميين العرب فإن ظاهرة فخرالدين كانت تعبيراً مبكراً عن القومية العربية، حيث مثلت صداماته مع الدولة العثمانية انتفاضات قومية عربية ضد الطغيان التركي. أما بالنسبة إلى القائلين بخصوصية لبنان، فإن فخر الدّين هذا ذاته بطل قومي لبناني حارب الأتراك كما فعل أسلافه من قبله. وبالنسبة إلى البنانيين خصوصاً، كان فخر الدين هذا بطلاً وطنيّاً يحارب الترك، كما فعل السلف من قبله، وكما سيفعل الخلف من بعده. 

إلا أن فخرالدين يتميز عن سلفه وخلفه، في النظرة إليه، كمؤسس للبنان الحديث. وقد اتخذت وجهة النّظر الثانية هذه صبغة شبه رسمية- إن لم تكن رسمية - في لبنان. ذلك أن هذا ما يرد في الكتب المدرسية اللبنانية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية في كل أنحاء البلاد. 

ويمكن القول إن المعنيين كسلالة احتلوا -عموماً- مرتبة الشرف في الرواية الوطنية اللبنانية. فهم إما أبطال النضال ضد العثمانيين، أو ضحايا ظلمهم ومزاجيتهم، أو الأمران معاً. فهذه هي الصورة التي تقدمها الأعمال البحثية، والكتب المدرسية، وأكثر أشكال التعبير التاريخية شعبية، مثل المقالات الصحافية والمسرحيات والأفلام، إلخ... فتجمع على هذه الرواية القومية لـ «تاريخ لبنان» في المرحلة العثمانية كما تم شرحها أعلاه. 

كانت كتب التاريخ التي تُدرّس في المدارس اللبنانيّة، وما زالت، إحدى نقاط الخلاف الكثيرة بين مختلف القادة السياسيين، أو الدينيين، أو كليهما معاً. وقد حصل الإجماع في اتفاق الطائف الذي وضع حداً للحرب الأهلية الأخيرة على تشكيل لجنة تمثل كل الأطراف للنظر في التاريخ في المنهاج المدرسي، وذلك لإعادة كتابته ليكون مقبولاً لدى جميع الأطراف، ولتنمية الشعور بالانتماء إلى لبنان ليحل هذا الشّعور محل الانتماءات الطائفية. إلا أن كل الجهود في هذا الاتجاه لم تثمر حتى الآن وما زالت الرواية القومية المتعلقة بفخر الدين والمعنيين الجزء الوحيد من رواية اللبنانيين لتاريخهم، التي مازالت تلقى شبه إجماع.

دعونا نتفحص كيف قدمت هذه الرواية القومية، وكيف جرى بناؤها.

تبدأ القصة بالجد الأكبر المفترض لفخر الدين التاريخي (المعروف تاريخياً بفخر الدين الثاني)، المذكور أعلاه ويحمل أيضاً اسم فخر الدين (المعروف تاريخياً بفخر الدين الأول). بعد معركة مرج دابق، ووصول السلطان سليم الأول إلى دمشق، تذكر كتب التاريخ اللبناني أن وفداً من الأمراء اللبنانيين قابل هذا السلطان، وتزعم أن فخر الدّين الأول كان واحداً منهم، وأنه وقف بين يديه، وتلا هذا الدعاء:

اللّهم أدم دوام من اخترته لملكك وجعلته خليفة عهدك، وسلّطته على عبادك وأرضك، ناصر الشريعة النيرة الغراء شريعتك، وقائد الأمة الطاهرة الظاهرة، سيدنا وولي نعمتنا أمير المؤمنين، الأمام العادل والذكي الفاضل الذي بيده أزمّة الأمر. بادشاه أدام الله بقاه، وفي العز الدائم أبقاه، وخلد في الدنيا مجده ونعماه. ورفع إلى القيامة طالع سعده، وبلغه مأموله وقصده. من ملك الملك بالعقل والتدقيق، ومده الله بالإقبال والتوفيق. أعاننا الله بالدعاء لدوام دولته بالسعد والتخليد، بأنعم العزّ والتمهيد، آمين.

وقد لخص أحد المؤرخين نتائج هذا الاجتماع بما يلي: «كان لمظهر الأمير الدرزي المهيب وسيماء الإخلاص البادية عليه الوقع الحسن لدى السلطان فخلع عليه (فخر الدين) لقب «سلطان البرّ».

هذا اللقاء المفترض يصور وصول العثمانيين إلى بلاد الشام كتثبيت لكيان سياسي هو لبنان، ولسلالة لبنانية حاكمة هي آل معن. هذه في اعتقادي هي الأهمية التي تعلّق على هذا اللقاء المفترض بين السلطان سليم الأول والزعيم المعني، سواء كان هذا الزعيم هو فخرالدين الأول، أو أيّ شخص آخر من آل معن. اختلق المؤرخون «اللبنانيون» في القرن التاسع العشر أصولاً للسلالة المعنية تعود إلى ما قبل الإسلام، وقد جاؤوا بهم إلى لبنان في بدايات القرن الثاني عشر في محاولة لإعطائهم البعد الزمني والعراقة التاريخية وخصائص أخرى كان من الواضح أن الأسرة تفتقر إليها.

من المهم الإيضاح هنا أن مؤرخي القرنين السابع عشر والثامن عشر الذين قدموا المادة المصدرية لهذا اللقاء الحدث، ولمواضيع أخرى، كثيراً ما تستعاد في الأعمال البحثية الحديثة حول العلاقات العثمانية – المعنية، كان همهم إضفاء الشرعيّة العثمانية على المعنيين وليس منحهم أوراق اعتماد «قوميّة». كذلك بالغت هذه الأبحاث في قراءتها هذه الأحداث بحيث ابتعدت بها عما قصده أولئك المؤرخون الأوائل. فعلى سبيل المثال فإن لقب سلطان البر الذي أصبح اللقب المكرس لفخر الدين الأول المزعوم، الذي يفترض أنه قابل السلطان سليم الأول، وانتقل بعد ذلك إلى حفيده الشهير فخر الدين الثاني، لم يرتبط باسم أي زعيم محلي آخر وكان أول من استخدمه في أوائل القرن التاسع عشر المؤرخ حيدر الشهابي بأسلوب غير جازم كما يلي:

«وحين أكمل الأمير فخرالدين هذا الدعاء تقدم وقبّل كمّ القفطان. فسأل السلطان خير بيك عنه. فأعلمه ]أنه[ أمير من سكان البر يحكم قرى وأماكن في جبال ضيقة من إقطاع الشام. فأحبه السلطان سليم لأجل فصاحته وجسارته وأنعم عليه وقرّبه لديه. وقال هذا الرجل واجب أن يدعى سلطان البرّ. ومن ذلك الوقت لقب ابن معن بهذا الاسم أي سلطان البر. وكان كل من تولى في ذلك الوقت على ولاية يدعى سلطان».

وغنيّ عن القول إنّ الأمر لم يكن كذلك، لكن الأمر المهم هو أنّ الشهابي لا يدعي أن هذا اللقب كان وقفاً على فخر الدين هذا، بل كان لقباً يشترك فيه كل حكام المناطق بدليل قول الشهابي: «وكان كل من تولى في ذلك الوقت على ولاية يدعى سلطان». وعلاوة على ذلك، فإن المؤرخين المحدثين، ذهبوا أبعد مما عناه الشهابي، فجعلوا من اللقب ما يكاد يكون أمراً وراثيّاً حصريّاً لآل معن حيث ظهر مرةً ثانيةً بعد أكثر من قرن مقروناً باسم فخر الدين الثاني، بدلالات إقليمية أو جغرافية محددة.

 
* أستاذ التاريخ العثماني في الجامعة الأميركية ببيروت
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر