الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 17 كانون أول 2017
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-09-22الكاتب:المصدر:جريدة الحياة « السابق التالي »
 دور الضرائب في إطلاق التمرّد الدرزي على العثمانيين - عبدالرحيم أبو حسين
 
عدد المشاهدة: 43
استمر الدروز كما يبدو في التحدي، وقتلوا الصّوباشي ورجاله الذين عيّنهم خرم باشا لتطبيق القانون والمحافظة على النظام في منطقة الدّروز. ومرّة ثانية قاد خرم باشا جيشه إلى مناطق درزيّة أخرى، وانتصر عليهم، وأرسل إلى دمشق ثلاثة أحمال من رؤوس الدروز حيث طاف بها في مختلف الأسواق والأحياء الدّمشقية، ثمّ أضرمت فيها النّار، وعرضت في القلعة.

يقول ابن طولون بمناسبة هذا النّصر إنّه تحقّق بلا قتال، وإنّ أكثر من ثلاثين قرية أحرقت، ونهبت قرى كثيرة أخرى. كما صودرت مرّة أخرى الكتب الدينيّة الدرزية. وأكثر من ذلك، اغتصب بعضُ الجنود النّساء والأطفال. ويروي ابن طولون هذا التّصرف باستحسان. ويورد مصدر دمشقيّ متأخّر أنّ خرم باشا أحرق في هجومه الثاني هذا ثلاثاً وأربعين قرية منها قرية الباروك مقرّ قرقماز معن. وفي سياق روايته وتبريره للهجوم، يذكّر المؤلّف بفتوى الفقيه الحنبليّ ابن تيميّة (توفي 1328) التي اتّهمت الدّروز بالكفر الصّريح، وأنّه لا تنطبق عليهم شروط الذمّة (أي لا يتمتّعون بالحماية) كالمسيحيين واليهود، وحضّت على قتلهم أينما وجدوا. وقد كانت هذه الفتوى موضع إجماع سائر الأجيال اللاحقة من علماء السّنة.

لا تغطي المصادر المتوافرة لدينا في ما يتعلق بشؤون بلاد الشّام والدروز ما بعد حقبة الصّراع العثمانيّ – الدّرزي المبكّر. وفي الحقيقة، فإنّ المصادر التي يمكن وصفها بـ «اللبنانية» لا تأتي حتى على ذكر الحوادث المذكورة فيما تقدّم، وتصمت صمتاً كاملاً ومثيراً للرّيبة عن الشّؤون الدّرزيّة منذ بداية الفتح العثمانيّ إلى 1585. ويبدو أنّ هذه الفترة شهدت تطوّرات مهمّة يمكن للمرء، على أساسها، أن يستنتج استمرار التمرّد الدّرزي من جهة والرّد العثمانيّ القمعيّ عليه من جهة أخرى. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المقاومة التي أبداها الدّروز في محاولة صدّ الهجمات العثمانيّة المبكّرة تبدو محدودة، كما تفيدنا المصادر المتوفّرة.

الحادثة الرئيسة الأولى التي ترويها المصادر التقليدية هي إعدام زعيم درزي اسمه يونس معن، وهو من يفترض أنّه جدّ فخر الدين معن الذي ذاعت شهرته واتّسع نفوذه في العقود الأربعة الأولى من القرن السّابع عشر. وقد استدرج يونس معن إلى دمشق، وأعدم بناء على أمر سريع من الوالي العثماني لولاية دمشق.

ولا بدّ أنّ هذا التّطور كان مرتبطاً بتجدّد التمرّد في المناطق الدرزيّة. ومن الواضح أنّ التمرّد اكتسب بعداً خطيراً لأنّ الدّروز أصبحوا يمتلكون الأسلحة النّارية. ووفق أقدم وثائق دفاتر المهمّة المتوافرة لدينا، فإنّ الدّروز قد امتلكوا كميات كبيرة من الأسلحة النّارية قبل 1546، وقد رفضوا الانصياع للأمر السّلطاني بتجريدهم منها، ليعلنوا التمرّد بدلاً من الانصياع. صدر أمر جديد لوالي دمشق بأن يهاجم الدّروز، ويجردهم من السّلاح، مع تزويده بقوات عسكرية إضافيّة من الولايات المجاورة لتساعده في الحملة.

منذ ذلك الحين وإلى زمن طويل، كانت المناطق الدرزية في حالة تمرّد متواصلة تقريباً نتيجة لرفضهم دفع الضّرائب للدولة العثمانيّة، ولاستمرارهم في امتلاك السّلاح. ويبدو أنّ هذا التمرّد لم يكن مقتصراً على منطقة الشوف، ولا على المعنيين فحسب، بل كان يشمل كلّ مناطق الدروز تقريباً، والعديد من قادتهم، وقد انتشر كذلك في المناطق المجاورة غير الدّرزيّة، بخاصّة في منطقة كسروان ذات الغالبيّة المارونيّة. وهكذا ففي 1565، وفق دفتر الأمور المهمّة، فإنّ أهالي عين دارة في منطقة الجرد، وقادتهم المحليين الدّروز ومن بينهم: محمد أبو عرام ويوسف أبوهرموش، رفضوا أن يدفعوا الضّرائب، وكـــانوا قد قاموا قبل ذلك بالهجوم على مقر إقامة السّباهي الذي كان مسؤولاً عن جمع الضّرائب.

وسرعان ما انضمّت قرى أخرى مثل المتين (في اقليم المتن المجاور) وقيادات درزيّة أخرى لهذا التمرّد. وفي هذه الحادثة بالذّات فإن وثيقة المهمّة تتحدّث عن هزيمة الدّروز، وعن مقتل عدد كبير منهم في المعركة، وعن اعتقال اثنين من قادتهم وهما من مرّ ذكرهما في ما تقدّم أعلاه.

وتضيف الوثيقة تفصيلاً أكثر أهم من ذلك، إذ توضّح أنّ الدّروز في منطقة الجرد فقط كانوا يمتلكون ثلاثة إلى أربعة آلاف بندقيّة وصفت بأنّها طويلة وتستطيع إطلاق سبع أو ثماني طلقات متتابعة وتتفوّق على البنادق التي يستعملها الجنود العثمانيّون. وتتحدث الوثيقة التالية عن مواجهة درزيّة عثمانيّة في الوقت نفسه تقريباً في منطقة المتن الدّرزية. ووفق هذه الوثيقة، فإنّ الدروز في المتن وفّروا ملاذاً آمناً للقادة الدروز الذين فرّوا من القتال في الجرد. وقد رفض شرف الدين زعيم الدروز في المتن أن يسلّمهم للسلطات العثمانيّة على رغم المعركة الشرسة التي ألقي القبض عليه فيها. وتضيف الوثيقة أيضاً أنّ معظم أهالي هذه النّاحية -المتن- كانوا مدرّبين جيداً على استعمال البنادق، وأنّه كان بحوزتهم أكثر من ألف بندقيّة. وتتابع فتحذر من الوضع الخطر بسبب وجود هذا العدد الكبير من الأسلحة النّارية بأيدي أناس متمرّدين يعيشون «قريباً من السّاحل».

وهكذا خلال مدة قصيرة لا تزيد عن عشر سنوات بعد ذلك، امتدّت حالة التّمرّد إلى كافّة مناطق الدّروز بل وإلى خارجها. ووفق وثائق دفاتر الأمور المهمّة، فإنّ أهالي المناطق الدّرزيّة المختلفة – الجرد والغرب والشّوف - كانوا جيّدي التّسليح، كما كانوا قد امتنعوا عن دفع الضّرائب في العشرين سنة السّابقة على ذلك التّاريخ. وتحدد ذات الوثيقة أسماء المقدمين الدّروز الذين صدرت الأوامر إليهم بتسليم عدد كبير من الأسلحة النّارية، ولكنهم رفضوا الامتثال لهذه الأوامر السّلطانية. إلا أن الأشخاص الذين وصفتهم الوثيقة بأنّهم مقدّمو الدروز لم يكونوا جميعاً، في حقيقة الأمر، من الدروز. فقد اشتملت اللائحة على أسماء الكثير من الزّعماء السّنة المعروفين بهذا الانتماء، مثل منصور بن عساف القائد التّركماني السّني في كسروان، والشّهابيين السّنة أيضاً في منطقة وادي التّيم، بالإضافة إلى الزّعماء الذين لا شك في هويتهم الدرزيّة مثل قرقماز معن.

وهذا لا يشير إلى انتشار التمرّد إلى خارج المناطق الدرزيّة فحسب، بل يعني أيضاً أنّ السّلطات العثمانيّة في اسطنبول أصبحت تقرن التمرّد بالدروز في كافّة أرجاء منطقة جبل لبنان. ووفق الوثيقة ذاتها، فإنّ عدد البنادق التي كانت تطالب الحكومة بتسليمها كان كبيراً جداً. فقد كان كلّ ربّ بيت مطالباً بأن يسلّم بندقيتين وفق إحصاء دفتر العوارض أو بمثابة ضريبة العوارض، بينما كان على ابن معن، وابن شهاب، وقايتباي أن يسلّم كلّ منهم ألف بندقيّة. وإضافةً إلى هؤلاء، طلب من منصور عساف تسليم ألفي بندقيّة إذ كان من المعروف أنّه حصل في وقت سابق على عدد كبير من الأسلحة النّارية من قبرص. كما طلب الأمر السّلطاني من حاكم دمشق أن يؤدّب الجماعة العاصية، وأعلمه أنّ المساندة العسكريّة لهذا الغرض سوف تقدّم له من جانب حكام ولايات ديار بكر وحلب وذوالقدرية.
 
 
* أستاذ التاريخ العثماني في الجامعة الأميركية في بيروت.
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر