الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
السبت 18 تشرين ثاني 2017
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-07-02الكاتب:المصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
 ميشال أسمر والنّدوة اللبنانية: مفكّر الدولة، وحلم دولة المفكّرين - خالدة سعيد
 
عدد المشاهدة: 136
¶"لن نكون غير ما نصنعه من أنفسنا"  

م. أ.

(من حديثه في نادي روتاري، 1962) 

¶"أؤمن بأنّ الأفكار تقود العالم، وبأن لا إصلاح بدون إقناع بالإصلاح وتبني مقوماته..."

م. أسمر

(في تقديمه لغسان تويني ت2، 1956) 

¶"إنّي لا أفتّشُ عن السّعادة، بل أسعى للعمل"

(من "يوميات ميشال سرور"، ص 62) 

¶"لم تكن النّدوة اللبنانية مجرّد منبر، بل البؤرة التي تكوّن فيها وعيُ اللبنانيين الجماعيّ وثقافتهم السياسيّة الحديثة".

(جورج قرم، كتاب زمن الندوة، ص 147) 

¶"عظمة النّدوة في أنّها لم تنغلق على انعزاليّة خانقة، بل انفتحت وتجاوزت حدود ثقافتها والبيت العتيق، إلى لبنانات الثقافات والنظريّات الأخرى".

(غسان تويني، من افتتاحيته للكتاب التذكاريّ "عهد الندوة اللبنانية" ص 18)


هذه العبارات التي وردت في مناسبات مختلفة، بينها محاضرة ميشال أسمر في نادي روتاري، بتاريخ 10 كانون الأول عام 1962، تعلن عن ذلك المشروع الندويّ الحضاري الفكريّ، وتقدّم رؤيته، كما عاشها مؤسّس الندوة وأعطاها عمره.

ولد ميشال أسمر في جديدة المتن عام 1914 وتوفي عام 1984 أثناء الحرب الأهلية، في حادث سير. نشط في بداياته الأولى في مجالات التدريس والصحافة والفكر الأدبي. عام 1936، وكان في الثانية والعشرين، أسّس، مع مجموعة من الشبان الذين سيكون لكلّ منهم شأن في ميدان الثقافة والنشاط الاجتماعيّ الوطنيّ، "ندوة الإثني عشر".

وفي هذه الأثناء نشر كتابه "يوميات ميشال سرور" عام 1938. وهو الكتاب الذي ندرت الإشارة إليه، وربما اعتُبِر من أحلام الصِّبا التي لا علاقة لها بالإنجاز الكبير لمؤلِّفه، وأعني "الندوة اللبنانية". وأرى، على العكس من ذلك، أنّه تعبير عن التساؤلات والأفكار والتطلّعات التي شغلت ميشال أسمر ودفعته إلى المسار الذي أعطاه حياته.

ما مضمون هذا الكتاب، وما موقعه في مسيرة ميشال أسمر التي وصلت إلى تلك المؤسّسة التاريخيّة العبقرية "الندوة اللبنانية"؟

إنّه كتاب يكشف لنا عن الهواجس والأسئلة والتطلعات الأولى لهذا الرائد المصلح، ويقدم حوافز بحثه عن المؤالفة بين الفلسفة والميدان، أو بين الفكر المثالي والشروط الموضوعية لبناء دولة المعرفة والانفتاح، دولة المواطَنة والإلفة والنهوض. هذا الكتاب، بقدر ما يُخيَّل للقارىء منفصلاً عن الإنجاز الكبير لمؤلِّفهـ وأعني "الندوة اللبنانية"، فإنه يقدّم تباشير تلك الخطوة.

صدر هذا الكتاب في مرحلة نشاط "ندوة الإثني عشر". على الغلاف: "ميشال أسمر"، وتحت الاسم، "من ندوة الاثني عشر". وكلّ مافي الكتاب يكشف أنّ العمل الجمعي والتمسك بالانتماء الجمعيّ الفاعل هو الخيار والنبراس في سياق حياة هذه الشخصية. ومع أنّ الكتاب يمثّل مرحلة الفتوّة والأحلام المثالية لميشال أسمر، فهو يقدم إضاءة نفّاذة لشخصية هذا الكاتب وهمومه الإصلاحية الأولى وتطلّعاته اليوتوبية.

ولا يتوقف المؤلّف في الكتاب عن الكلام على الرسالة التي يحملها المفكر المبدع ويبذل نفسه لتحقيقها، مستشهدا بنيتشه. ففي ص 62 يستشهد ميشال سرور أوميشال أسمر بكلام لنيتشه في رسالة إلى أخته سوف يكون له تجلٍّ في مسار حياته، كما أنه سوف يصحّ كتعبير عن خاتمة هذه الحياة، حياة ميشال أسمر. يقول نيتشه: "إنّ الآلام التي كابدتُها، والملذّات التي حرمتُها نفسي، خاصّةً في هذه السّنة، تخوّلني الحقّ كي أقارن حياتي بحياة هؤلاء النسّاك المتقشّفين. غير أنّي جنيت فائدة عظيمة من هذه الحياة الزّهديّة، فإنّ روحي قد زادت طهراً ومحبّة. وإنّي لمؤمن أني قد أدّيت رسالتي في هذه الحياة على قدر ما أمكنني الوقت".

¶¶¶

نستشف من نصوص هذه اليوميات تساؤلات ذات طبيعة فلسفية ـ اجتماعية. لكن لا يبدو فيها أن الفلسفة في مستواها النصّيّ النظريّ المجرّد هي ما يشفي أسئلة الكاتب وما سوف يُرضي طموح ميشال سرور أو ميشال أسمر. وهو يلخّص أهدافه قائلاً بلسان نيتشه: "إنّي لا أفتّش عن السعادة بل أسعى للعمل". (ص. 62).

وتبعاً لهذا المبدأ أو الإعلان الأخير، يعتذر ميشال سرور إلى هيامه الفلسفي مخاطباً عزيزته "صوفي" (الفلسفة) التي ابتعد عنها ليرسم حياته في مسار مختلف، أو كما يعبّر بوضوح وتصريح: "كي ألبّي نداء رسالتي العالي" (ص 58).

وإذا كان قد ودّع "صوفياه"، فإنها قد بقيت حلمه ورائده، أي مدينته الفاضلة أو "المثقّفة"، "المدينة العاقلة"، مدينة الحوار والارتقاء والفكر الحرّ. فماذا كانت "رسالة" ميشال أسمر و "نداؤها العالي" التي أطلقها عام 1946 مباشرةً بعد الاستقلال، متنازلاً عن وضعية الفيلسوف المفرد؟

هنا تبدو سيرة مؤسّس النّدوة في منحاها التاريخيّ المتبصِّر وأهدافها الواضحة ـ التي دعا إلى رسمها، أهلَ الفكر والعلم والفنّ في لبنان ـ تبدو أشبهَ بنذر أو تكريس: إنه الإيمان بلبنان بيتاً للجمع. إيمان بأهله وبالجماعات التي تشكّل نسيجه. وإيمان بعبقرية الجمع والعبقريات اللبنانية. وقد كان لديه تهيّؤ رساليّ، واحتضان لكلّ بادرة أو إشارة من شخص يحمل رسالة وحتى كلمة مضيئة.

هذا الكلام على الندوة يبقى أقلّ بكثير مما عبّر عنه المحاضرون الذين بَلَغَتْهم الرسالة النّدوية وحملوا معناها. أثبت هنا، على سبيل المثال، شهادة لزكريّا محي الدين النّصوليّ، وردت في الكتاب التذكاريّ، "زمن النّدوة اللبنانية":

"دفعني ميشال أسمر مؤسّس هذا الصّرح، تنيره من الداخل شعلة سرّيّة لا تنام ولا تغفو، (...) إلى إلقاء محاضرة بالفرنسية في حرَم "الندوة اللبنانية" عنوانها "الشباب اللبناني عند مفترَق الطّرق". كان ذلك إثر هزيمة حرب 1967. وقد خرجتُ من تلك المحاضرة شخصاً آخر وُلِد من جديد ليضحّي بكلّ شيء في سبيل محبّة اللبنانيين على الرغم من اختلاف طوائفهم وتباين مذاهبهم الدينيّة، لعلّهم يتوحّدون يوماً في سبيل لبنان وطناً ورسالة".

وبهذه المناسبة أتذكّر أنّ آخر مبادرات ميشال أسمر بعد تعطّل الندوات بسبب الحرب الأهلية، كانت الاعتصام في المسجد إلى جانب السيد موسى الصدر احتجاجاً على الصراع الداخليّ الذي شكّل انطلاقة الحرب الأهلية اللبنانية.

¶¶¶

ميشال أسمر، هذا الشابّ المفرَد، قد عيّن اتّجاه البوصلة ورسم الطريق:

إنّها "الندوة اللبنانية" منبر الجَمْع المُفكِّر أو المدينة المفكّرة والنخبة المتفلسفة. ندوة من نوادر المؤسّسات في المشرق، على الأقلّ. إنّها مؤسّسة مستقلّة، لكن موازِية، وحتى مواكبة للمؤسّسات الإداريّة والسياسية والتربوية الثقافية والعلمية. مؤسّسة حرّة قوامها الثّقافة والمثقّفون، وفيهم أهل العلم والفنّ والتعليم والسياسة والاقتصاد والقانون والدّين والإدارة، تواكب دولة المؤسّسات مواكبة إضاءة حرّة، إضاءة فكريّة ـ نقدية ـ واستشرافية موجّهة إلى المختصين من الإداريين والمسؤولين وإلى جمهور المواطنين. باختصار مؤسّسة تتطلّع إلى القيام بدور ضمير الدولة.

ويلخّص ميشال أسمر نفسه هدف "الندوة" ورسالتها وبرنامجها وما خطّط له ونفّذه عبر تاريخها، بقوله عام 1962: "...كان علينا أن نلقى للبنان فلسفة سياسيّة، وأن نركّز أسسَه على متين الرّكائز. كذلك كان علينا أن نُقيم تماسّاً بين محاضِري "النّدوة" وبين مُجمَل المواطنين، وأن نُؤَلّب لهم بالتّالي، جمهوراً من المستمعين".

إنه مشروع هائل له خطّته وفلسفته وأهدافه الواضحة. له كذلك أشخاصُه وأدواته المناسبة.

هكذا تأسّست "الندوة اللبنانية" فور الاستقلال. ويصف غسّان تويني هذا المشروع، في تقديمه للكتاب التذكاريّ بمناسبة مرور خمسين سنة على تأسيس الندوة، وهو بعنوان "عهد الندوة اللبنانية" بالقول إنّه: كان "محاولة جدّيّة فعّالة لبناء قاعدة ثقافيّة وطنيّة جامعة".

وفي النصّ نفسه يقول: "والواقع، إذا راجعنا الأسماء،وجدنا أنّ أحداً لم يكن يتكرّس شيئاً مرموقاً إلاّ إذا انفتح أمامه عقد "النّدوة"، "ولا تنفتح أبواب" النّدوة" خصوصاً، ولا عقول أهلها وقلوبهم، لمن لا يُحسِن التّنزّه عن العصبيّات الضّيِّقة التي تقفل الأبواب وتسدّ الآفاق".

ثمّ يصف نتيجة ذلك بالقول: "وإذا بالباب ينفتح أمام كل الإيديولوجيات لأنّ الدّار الندَويّة اللبنانية صار لها مناعتها".

¶¶¶

استنفر ميشال أسمر مجتمع المعرفة والرّأي اللبناني، وكلَّ زائر إلى لبنان مرموق ومميّز معرفيّاً: استدرج الحقوقيّ والبرلمانيّ والموظّف والزعيم والطبيب والطبيبة والمهندس والسياسيّ، على اختلاف الألوان، والعالم والإداريّ والعالمة الاجتماعيّة والعالمة الذرّيّة والفيلسوف والاقتصاديّ والشاعر والشاعرة والصحافيّ والمستشرق وزعيم الحركة الإنسانية والأدبية، وممثلة الحركة النسوية واللغوي والفنان والناقد والتربوي وحتى رجل الدين، على اختلاف الأديان، واختلاف الأحزاب، وكل صاحب اختصاص، طارحاً الأسئلة، أو مقترحاً للموضوعات. وهذا ما عبّر عنه أفضل تعبير، ومنذ البدايات، (عام 1950) الكاتب الصحافيّ والمفكّر جورج نقّاش (صاحب جريدة الأوريان يومذاك). إذ قدّم لأولى محاضراته على منبر النّدوة اللبنانية بالقول:

"نعرف أيّة صعوبات، أية مقاومات. وأيّ تراخٍ توجّب التغلُّب عليها من أجل إطلاق مؤسّسَةٍ من هذا النّوع، ومن أجل تفعيل هذا التجمُّع الكبير ـ هذا التجييش الشّامل للأفكار الذي تشكّل هذه القاعةـ (كدتُ أقول هذه المؤسّسة) مكانه المُمَيَّز. فقد توجّب، من أجل التغلُّب على الحذَر والتشكيك، الهدوء والإرادة الصّلبة لدى شخص مفرد؛ توجّب حضور صلابته المدهشة ـ وكما في كلّ مأثرة حيّة، توجّب تميّزُه بالكثير من الإيمان، والكثير من المحبّة".

ويواصل النقّاش: "المشكلة الكبرى للبنان اليومـ مشكلتنا الوحيدة، في اللحظة التي نخرج فيها من استعمار ستّة قرون، ونجد أنفسنا فيها مقذوفين في التاريخ ـ هي أن نعيد إنتاج وعينا التاريخيّ".

"ولا تبدو الأهمّيّة التي نوليها إلى مأثرةٍ كهذه مضخَّمَة: لأنّه إذا كان من تأليفٍ (Synthèse) لبنانيّ ممكن التحقّق، وإذا صحّ أنّه انطلاقاً من رؤيا اللبنانيين لأنفسهم ولمحيطهم اللبنانيّ، عليهم أن يختاروا هويّتهم ويفعِّلوا هذا الممكن هذا اللبنان الممكن الذي هو المادة الجوهريّة لتاريخنا، فإنماّ هنا، وفي الأسس الأخلاقيّة التي تجتمع في مؤسّسة كهذه، يجد هذا المشروع أعظم حظوظه في التحقّق. "

¶¶¶

تواصَلَت المحاضرات الأسبوعية التي كانت تُجمَع وتصدر في نشرات شهرية أو كتيبات، منذ الاستقلال حتى الحرب الأهلية. فكانت الحصيلة ما يقارب خمسمئة محاضرة، لمحاضرين يبلغ عددهم أربعمئة محاضر أكثريتهم الساحقة من لبنان. بعضهم كان من أهل الفكر والبحث والعلم والتعليم، وبعضهم كان سياسيّاً أو موظّفاً مختصّاً.

لكنّ ميشال أسمر استدرج كلاًّ منهم لكي يغدو مفكّراً مستقبليّاً أو باحثاً علمياً أو قانونيّاً ومختصّاً في شأن إنهاض الحياة اللبنانية والدولة اللبنانية ومؤسساتها والنظر في سائر مشكلاتها وترسُّم آفاقها.

كانت محاضرات "الندوة اللبنانية "هجوماً معرفيّاً تنويريّاً وطنيّاً مهما اختلفت التيّارات التي يمثّلها المحاضرون. وقد استقبلت الندوة مختلف التيارات والاتجاهات الإيديولوجية، ولم توضع الحواجز في وجه هؤلاء. بل صدَرَت غالبية المحاضرين من موقع الهمّ المشتَرَك والضمير المشترك وشرفة البحث المشترَك والتطلّع المشتَرَك. صدرَت من موقف المساهمة في بناء الهيكل الواحد، مع إصغاء واحترام لتعدديته أو على الرغم من تعدديته.

هكذا توالى العارفون، حلفاء وخصوماً، متفقين ومختلفين، على منبر"الندوة اللبنانية". إنّها المدينة المثقّفة تفكّر مستقبلها وتتأمل في مصيرها سياسةً وإدارةً وتقنيات، وتقدّم إنجازاتها فكراً وآداباً وفنوناً، وتناقش قضاياها، ويتحاور أهل العقائد فيها، وتبسط مشكلاتها للنقاش والتأمّل.

لا شكّ أنه كان لـ"أمناء الندوة"، تلك الخلية الحاضنة التي انتقلت إليها حماسة ميشال أسمر وإيمانه، دور مهمّ وأريحيّ وداعم وضروريّ بل أساسيّ للاستمرار. ولكن المحور المفكّر الرائي المنظِّم الراعي، كان ذلك المؤسس الذي أخرج الفلسفة والفكر النظريّ والطموحات الوطنية والرؤى الاجتماعية السياسيّة ومختلف اليوتوبيات من دوائرها النّظريّة المتفرّقة المنعزلة إلى ميدان الشراكة والتبادل والبحث المفتوح والسجال العقلانيّ والمعرفة المعمّمة والنشر وإضاءة الواقعيّ المعيش.

"النّدوة اللبنانيّة" التي جاءت تجسيداً لرؤية ميشال أسمر للعمل الثقافيّ ـ الوطنيّ كان لها "طابع الرسالة" كما يرى المفكّر ناصيف نصّار؛ وقد مثّل تاريخُها "طابع المغامرة"، وكانت "من الأحداث المُرتَقَبَة واللافتة والمؤثّرة في مجرى الحياة الأسبوعيّة في لبنان من 1947 إلى 1968". (ناصيف نصّار، كتاب عهد النّدوة، ص. 19).

كانت "الندوة اللبنانية" بمثابة منبر إشعاع موجّه نحو الدولة بالمعنى الحضاريّ الواسع، الذي يشمل المؤسّسات والجماعات والأهداف والوسائل كما يشمل القيَم والمثُل والإبداعات. إذ للدولة في تصوّر ميشال أسمر مثال لم ينقطع عنه، وإن وسّع أفقه: إنه ما يعيدنا إلى أحلامه الأولى في كتابه "يوميات ميشال سرور" وأعني الجمهورية المثاليّة. فمِن هناك انطلق.

كان المحاضرون من مختلف الأديان والاختصاصات والاتّجاهات الفكرية والمذاهب السياسية، جميعهم من أهل المعرفة وكلٌّ في مجاله. وكانت المحاضرات تقرَّر بالتشاور مع مؤسس الندوة وغالباً بطلبٍ منه، لتشكّل صوتاً معرفياً وسياسيّاً ـ أخلاقيّاً مضيئاً على صلة بالمناخ العامّ.

هكذا اهتمّت النّدوة في السنوات الأخيرة السابقة للحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 بقضية حوار الأديان والإضاءة حول الأديان. فكانت سلسلة محاضرات ولقاءات حول الحوار المسيحيّ الإسلامي. وقدّم هذه المحاضرات والمحاورات كبارٌ، علماء من رجال الدين والفكر السياسيّ والحضاريّ، ومن كبار المستشرقين. كان بينهم المطران جورج خضر والسيد موسى الصّدر والشيخ صبحي الصّالح، والأب يواكيم مبارك وكهنة آخرون وعلمانيون وعلمانيات. وتعدّدت حلقات الحوار.

¶¶¶

لكن بأيّ سحر وأي منطق رسالي وأية طاقة على الإقناع أو الاستدراج استطاع ميشال أسمر أن يجعل الموظّفَ باحثاً وكاتباً؟ بل كيف استطاع اكتشافه خلف المكتب الوظيفيّ الجامد؟ كيف استطاع أن يحرّض في السّياسيّ والأستاذ الجامعيِّ الفيلسوفَ النّائم؟ كيف أوحى لفيلسوف مثل رنيه حبشي أن يكرّس أعماله وأفكاره، على امتداد سنين، لوضع فلسفة للدولة اللبنانية والرسالة الحضارية اللبنانية؟ حتى أنه ألقى أربعين محاضرة تبني في مجملها فلسفةً للبنان ودوره المتوسّطيّ.

كيف استدرج ميشال أسمر الكاهنَ إلى الأفكار الثورية ؟ كيف جمع بين الكاهن والإمام في حوار عقلانيّ؟ كيف ألّف بين المختلفين أو المتباعدين في مشروع وطنيّ وتطلّعات مثاليّة؟

¶¶¶

حضر الرائد ميشال أسمر في مرحلة صراعاتٍ فكريّة وبحثٍ عن الحقيقة. وكان يعرف أن لا أحدَ يستأثر بالحقيقة أو يمْتلكُها منفرداً. ومن هنا كانت الندوةُ اللبنانية منبرَ حوارٍ ولقاءٍ وبحث وتبادل بقدرِ ما كانت مركزَ إشعاع.

¶¶¶

تحرّكَت النّدوة اللبنانيّة بين تاريخين متضادّين في رمزيّتهما:

بين 1946 و1975 - 1976. أي بين إشراقة الاستقلال وظلام الحرب الأهليّة وتدمير لبنان. فكانت خمسمئة محاضرة أو حلقة بحث وجدت منبرها أو دُعيَت إلى منبر النّدوة.

ميشال أسمر، فيلسوف الواقع والميدان، آمن بالكلمة الصالحة العاقلة المضيئة. آمن أنّ الرسالات السّامية غيّرت الناس أو رمت إلى تغييرهم والمؤاخاة بينهم بالكلمة. لكن فرّقهم السيف وشهوة السلطان. هكذا، لم يخُن حبيبته "صوفيا" ولكنّ الحرب الأهلية اغتالتها. وإنّها لَمصادفة مفجعة أن يرحل ميشال أسمر زمن القضاء على "صوفياه" وتعطُّل مشروعه النّدويّ.

¶¶¶

كل يوم اثنين، وأحياناً يوم الخميس كان مفكِّرو "المدينة" يتلاقون في قاعةٍ لوزارة التربية، للاستماع إلى بعض أهل المعرفة والتنوير في جلسة محاضرة ومناقشة. كان موعداً ندَرَ أن تخلّف عنه المثقّفون والمعنيّون بالثقافة والمعرفة.

وقد كان لقاء مختلفين وأصحاب اتّجاهات واختصاصات متنوّعة. وكانت لحظات للحوار والمساءلة. كانت جلسات للإضاءة وتبادل الكلام والأفكار التّأسيسيّة الجوهريّة بين المختلفين، بدل تبادل القصف والخطف الذي ميّز الحرب الأهليّة.

يا للعجب، ويا لهذه الذاكرة الوطنية التي لا ترفع اسم هذا الرائد والمناضل الثقافي على مؤسسة ثقافية أو شارع أو ساحة في المدينة التي عمل ميشال أسمر من أجل أن تكون مدينة الفكر الحضاريّ والتآخي والحوار العقلاني.

كاتبة
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر