الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 17 كانون أول 2017
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-11-22الكاتب:المصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
 محطات تاريخية طبعت دور فرنسا في لبنان منذ سنة 1570
 
عدد المشاهدة: 32
مجد بو مجاهد
منذ مئات السنين، ارتبط لبنان وفرنسا بمحطات سياسية وعسكرية ودستورية، حتى كادت فرنسا تكون البلد الظل او اللصيق بلبنان. وتاريخياً، اعتُبرت "الأم الحنون". ولا شك في أن الدولة العثمانية أكسبت فرنسا جذور دورها التاريخي في بلاد الأرز، بعد الامتيازات التي منحتها لها نتيجة العداء المشترك التي تكنه واياها لدولة النمسا. وما لبثت هذه الامتيازات ان تضاعفت مع تراكم السنين، حتى انهزام العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، حيث تحولت فرنسا الى دولة انتداب، تلاها نيل لبنان استقلاله عنها سنة 1943. وبين سنة 1570 و1943، محطاتٌ كثيرة وأحداثٌ شيقة شهدها لبنان، طبعت دور فرنسا التاريخي فيه.

يقول: "بزغ فجر فرنسا في لبنان مطلع 1570، يوم منحتها الدولة العثمانية امتيازات، تهدف الى حماية التجار الأجانب في الشرق الأوسط. وما لبثت العلاقات بين البلدين ان شهدت تطوراً ايجابياً تصاعدياً عبر السنين انعكس على تجدد الامتيازات ومضاعفتها، حتى أضحى كلّ تاجر مسيحي أوروبي يقطن في السلطنة العثمانية في منتصف القرن السابع عشر، يعمل بحماية السلطة الفرنسية. فيما يرجع السبب في توطيد العلاقات بين الدولتين الى الصراع العثماني - النمسوي الذي نشب في عهد السلطان سليمان الذي تزعّم الدولة العثمانية قرابة 46 سنة، وتزامن ذلك مع صراعٍ نمسوي فرنسي. وسعت السلطنة العثمانية الى الفوز بصديق لها في قلب اوروبا، فوقع اختيارها على فرنسا التي كان لها مصلحة في القضاء على النمسا". 

تطورت الامتيازات حتى بداية القرن التاسع عشر عندما بدأت الأوضاع في لبنان تهتز داخلياً قبل اندلاع ثورة عامية انطلياس سنة 1840.

ويسرد مراد ان "المسيحيين شعروا آنذاك بالضعف في السلطنة، وبات المسلمون والدروز يفوقونهم قوة. فقد استمر الصراع بين الدولة العثمانية والدروز في القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، اذ اختلف الطرفان عقائدياً، وشنت السلطنة أكثر من حملة (3 حروب على الشوف) لإبادة الدروز في الجبل. وبلغ الصراع بين الطرفين ذروته بعد قضاء العثمانيين على الأمير فخر الدين الثاني، أشهر الأمراء اللبنانيين الدروز. في هذه الأثناء تخوّف العثمانيون من اتحاد الدروز والموارنة وتشكيلهم حركة انفصالية عنها، اذ انهم عاشوا وئاماً غير منظور، يحتذى عالمياً في التعايش الطائفي".

وتمثل سبب الخشية العثمانية من اتحاد الدروز والموارنة، وفق مراد، بـ"الحركات الاستقلالية التي كانت قد ولدت مع محمد علي باشا في مصر وعلي بك الكبير في فلسطين، مما دفع بالسلطنة الى تحريض كل من الدروز والموارنة على الاقتتال الداخلي من خلال نشر جواسيسها بينهم، مستغلةً المعاملة القاسية التي اتصف بها الأمير بشير الثالث (أبو طحين) للدروز، اذ انه عمد الى تجريدهم من السلاح المعتبر رمزاً حامياً للعرض، خصوصاً ان الدروز جماعة مضطهدة عبر التاريخ، الأمر الذي دفعهم الى السخط. فيما تمثل الحادث الفتنوي المباشر الذي أدى الى النزاعات الطائفية بسبب سخيف هو الخلاف على هوية قاتل حجل في بيت مري: هل هو درزي أم مسيحي؟ أدى هذا الأمر الى سقوط 11 ألف قتيل بين الطرفين، ودفع فرنسا الى اتخاذ موقفٍ صريح ضد السلطنة، فلوحت لها بالتدخل العسكري دفاعاً عن المسيحيين".

وتكرّرت الأحداث بفتنة عثمانية اندلعت سنة 1845، كما يقول مراد، مما "دفع فرنسا الى اتخاذ موقفٍ حازم، حتى تثبيت نظام القائمقاميتين، الشمالية ـ المسيحية والجنوبية ـ الدرزية. في تلك المرحلة عرفت التدخلات الأجنبية في لبنان أوجها، اذ وقفت فرنسا الى جانب المسيحيين ووقفت بريطانيا الى جانب الدروز ضد فرنسا، ذلك انهما يعتبران عدوين لدودين في أوروبا رغم تحالفهما. وسّع تدخّل البريطانيين والفرنسيين الهوة بين الدروز والموارنة، بما انتج أرضية محتقنة للاقتتال الداخلي في ما بينهما، وتجسد ذلك سنة 1860، اذ اندلعت الفتنة الثالثة، الامر الذي أفشل نظام القائمقاميتين ودفع فرنسا الى تجنيد جيش عسكري توجه الى لبنان للدفاع عن المسيحيين، وحصل ذلك في عهد نابليون الثالث. لكن الجيش العثماني كان قد وصل قبله لتهدئة الأوضاع خشية وصاية فرنسية على لبنان". 

بعدها، تحوّلت فرنسا الى حاميةٍ للكاثوليك بشكلٍ خاص، بعد تراجع حدة الصراع العثماني ـ الروسي، وطلب الروس حماية الأرثوذكس بأنفسهم. وفي تلك الأثناء، أنشئ نظام المتصرفية برضى فرنسا والدول الكبرى، وهو ما دفع الموارنة الى اعتبارها "أمهم الحنون".

وصولاً الى عهد المتصرفية، اذ قرر الاجماع الدولي ان يحكم لبنان متصرف مسيحي غير لبناني كحل وسط. وبعد انتهاء الحرب العالمية الاولى التي تكللت بفوز الحلفاء وسقوط الدولة العثمانية، طالب الموارنة ان تحكم فرنسا لبنان. وشارك البطريرك الياس الحويك بمؤتمر الصلح في فرنسا سنة 1919 مطالبا بتوسيع الأراضي وضم الاقضية الأربعة تمهيداً لاستحداث دولة لبنان بوصاية فرنسية.

هذا ما يدفع مراد الى الاستنتاج ان "فرنسا صنعت وطناً للموارنة اسمه لبنان، من خلال منحهم نفوذاً كبيراً تجسد في دستور سنة 1926، لكن الموارنة أنفسهم فشلوا في صنع وطنٍ لهم، بل انتشرت في تلك الأثناء ظواهر الفساد والمنفعات والسرقة، ناهيك بالنزاعات على تسلم مقاليد الحكم، إذ نشب شجار بين بشارة الخوري واميل اده على منصب رئاسة الجمهورية سنة 1932، وكاد الشيخ محمد الجسر من طرابلس أن يحصد مقعد الرئاسة بسب النزاعات المارونية الداخلية، مما دفع بفرنسا الى تعطيل الدستور وإلغاء الانتخابات والتوجه بلهجةٍ عالية السقف الى الموارنة، مفادها انها منحتهم الدولة ليتولوا هم الرئاسة، لا أن يساهموا من خلال خلافاتهم في تجييرها لمصلحة مسلم".

من هذا المنطلق رفض الفرنسيون وصول الجسر الى الرئاسة ومدّدوا للرئيس الأرثوذكسي شارل دباس لسنتين. وبقيت صلاحيات الموارنة كبيرة حتى سنة 1943، اذ وضع بشارة الخوري يده بيد رياض الصلح، الى جانب عادل عسيران ومجيد ارسلان وسليم تقلا وحبيب ابي شهلا، بما حدا بالفرنسيين الى عرض السلطة على الخوري مقابل تبرئه، لكنه رفض معتبراً ان يده بيد كلّ الطوائف وبالأخص الطائفة السنية.

وترجم ذلك، وفق ما يقول مراد، نفوراً بين الموارنة وفرنسا بعد تقرب بشارة الخوري من بريطانيا، في وجه خصمه اميل اده الذي كان قد تقرب من الفرنسيين. وبعيد اعتقال الزعماء اللبنانيين في قلعة راشيا في 11 تشرين الثاني 1943، عين الفرنسيون اميل اده رئيساً للجمهورية، لكن المعتقلين ما لبثوا ان حرروا بعد تهديد بريطانيا لفرنسا بالتدخل العسكري لاطلاقهم، وهو ما مفاده ان الانكليز ساهموا في استقلال لبنان. ولاحقا، فقدت فرنسا دورها عالميا كدولة عظمى لمصلحة روسيا والولايات المتحدة، وأضحى دورها ضعيفا في الشرق الأوسط، مما ادى الى اندلاع حرب أهلية في لبنان وما تلاه من لجوء فلسطيني. 

وعاد دور فرنسا ليتمظهر بعد احتضانها العماد ميشال عون لاجئاً سياسياً، وعاد ليزورها اليوم رئيسا قويا للجمهورية اللبنانية، فضلاً عن العلاقة الوطيدة التي جمعت الرئيس الراحل رفيق الحريري والرئيس الفرنسي جاك شيراك، وانعكست اليوم علاقةً بين الرئيس سعد الحريري والرئيس ايمانويل ماكرون الذي اضطلع بالدور الأبرز في حلّ الأزمة المستجدة عقب تقديم الحريري استقالته من السعودية، اذ بات جلياً ان فرنسا بدأت تستعيد بشيء من الثبات دورها في الشرق الأوسط.
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر