الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأربعاء 22 تشرين ثاني 2017
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-11-08الكاتب:المصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
 انتهازية القرار 352 العقارية - منى فواز
 
عدد المشاهدة: 20
يشكّل التعميم رقم 352 الصادر في 24 تشرين الثاني عن وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق والذي يسمح في العديد من المناطق في لبنان بناء ثلاث طوابق كحد أقصى ، خرقاً وانتهاكاً لأبسط المبادئ المنصوص عنها في قانون البناء اللبناني وأنظمة التخطيط المدني، فضلاً عن أنّه مثال آخر عن القرارات العامة والمركزية التي تخفق في حماية الأجيال الحالية والمستقبلية من خلال اعتماد سياسات عامة قاصرة تقوّض حياتنا ومعيشتنا. 

لقد لاقى قرار المشنوق احتجاجاً شبه جماعيٍّ من قبل جهات رسمية وغير رسمية حيث أدان المعترضون وبزخم الأضرار الجسيمة التي يمكن أن تُلحق بالبيئة العمرانية والطبيعية نتيجة إنفاذه. فنقابة المهندسين في بيروت على سبيل المثال سجّلت اعتراضها على القرار، محاججة بأنّه ينتهك أول وثاني بند من قانون البناء اللبناني. كما تعهد نقيب المهندسين باتخاذ الخطوات القانونية اللازمة للطعن بالتعميم. كذلك ندّد الكثيرون بالطريقة التي يقوّض فيها التعميم الأمن الغذائي الوطني والموارد الطبيعية عبر تخطي ما تنص عليه الخطة الشاملة لترتيب الأراضي الصادرة في المرسوم رقم ٢٣٦٦ \ ٢٠٠٩، في حين حذّر آخرون من إمكانية تعريض حياة الناس للخطر في ظلّ غياب أية إجراءات رقابية مناسبة، وتدمير الطابع المميز للمدن والطرقات عبر السماح بتمدد البناء، وبشكل عام التسريع في تدهور سبل عيشنا ومعالم البيئة الطبيعية المحيطة بنا. لكن الاستنسابية بل الانتهازية التي تشوب القرار تتطلب المزيد من التدقيق. بعيداً عن إضفاء أي شرعية على التعميم أو تبريره، يُسجّل أن هذا الأخير يتناول حاجة فعلية تتمثل بالصعوبة التي يواجهها عموم الناس لجهة شراء أراض قابلة للبناء أو توسيع البيوت ومساحات العمل في لبنان. وعليه، أود إبراز ثلاثة جوانب لم يتطرق إليها النقاش الذي واكب صدور التعميم. 

من جهة أولى، يتطرق قرار الوزير المشنوق إلى تحدٍ حقيقي يجب الاستجابة له عبر سياسات واقعية، وهو أنّ الأرض في لبنان أصبحت عقارا ذا ثمن مرتفع بسبب رفض صانعي السياسات الاعتراف بصفتها الاجتماعية، وتحويلها لمجرد أصول مالية. وفي حين يتيح هكذا تعميم للناس الذين يصارعون لبناء سكن لهم ولأسرهم إضافة طابق أو توسيعه على أرض زراعية، وبمعزل عن مخالفته للقوانين والأنظمة، فإنّه يبقى قاصراً عن صون مصلحتهم باعتبار أن الإشكالية الأساسية تكمن في الأطر التنظيمية التي تمنعهم من الوصول إلى الأرض بشكل يتناسب مع حاجاتهم الملّحة.

نفترض استجابة صادقة وملائمة لحاجات الناس الاعتراف بقصور السياسات المالية الوطنية التي شجعت الاستثمارات المضاربة في الأرض وربطت أسعار الأراضي بالأسواق المالية خارج لبنان لتصبح الارض سلعة خارج متناول معظم الناس. وبالتالي، تقتضي معالجة هذه المعضلة عبر بلورة سياسات تحمي القيمة الاجتماعية للارض من خلال فرض ضرائب على المضاربة العقارية ووضع حد لها ، واستحداث أطر ناظمة لملكية الأراضي مثل اطر الملكية المشتركة (land trust) التي تسمح بحجب اثر السوق العقارية عن بعض الاراضي فتسهل عمليات بناء المساكن لذوي الدخل المحدود. كذلك ينبغي تخصيص مناطق في المدن يتم فيها إبقاء أسعار الأراضي بمستوى منخفض عن أسعار السوق، ويتم التحكم بها لتأمين مساحات للسكن وللعمل لمن لا يتعذر عليه تحمل كلفتها في الظروف العادية. كذلك فإنّ السياسة المدروسة بشكل جيد ستسمح بتخفيض الضرائب على رخص البناء و\أو إعادة النظر بقواعد البناء وعوامل الاستثمار وتسهيلها عند الاقتضاء بهدف توجيه وتسهيل البناء بطرق واقعية وبأسعار مقبولة.

من جهة ثانية، يجوز بل يجب أن تواكب هذه الإجراءات أطر قانونية وتنظيمية شاملة تضمن الحقوق والمسؤوليات بشكل متساو وتنبثق من موقعهم كمواطنين ومواطنات أمام الدولة والجماعة التي تمثلها، وليس كأنّهم زبائن محكومون بقاعدة بيع وشراء الخدمات. وحقيقة الأمر، إنّ الطابع الاستثنائي واللاقانوني لقرار المشنوق بحجة الاستجابة لحاجات السكن من خلال توسيع نطاق تصريح البناء يكرّس في آخر المطاف وضعاً شاذاً يجعل من عملية البناء وتأمين السكن عملية عرضية وظرفية تلبّي خدمة بدلاً من أن تستجيب الى حق.

وفي حين يعترف القرار بأنّ غالبية المواطنين والمواطنات عاجزون عن تأمين و\أو توسيع منازل و\أو مساحات عمل بسبب الأطر الحالية التي ترعى إدارة البناء، إلاّ أنّه تجنّب بل تجاهل مراجعة هذه الأطر نفسها، وتغاضى عن الإقرار بحقهم في بناء منزل او مركز عمل. في المقابل، من شأن أطر "الخدمة" التي كرّسها التعميم جعل المواطنين والمواطنات "متلقين للمنح" فيصبحون مدينين لشخص أو مجموعة أشخاص (و\أو الأحزاب السياسية التي منحتهم هذه الخدمة. وعليه، بات هؤلاء مجردين من أي حقوق معترف بها من قبل الدولة التي يتمتعون بجنسيتها، فهم فقط زبائن لسياسيين نافذين ويدينون لهم بخدمة.

ولن نسلّم بفرضية أو مقولة أن هذا التسامح سيؤدي إلى تحقيق المساواة في الحقوق لهؤلاء المواطنين الذين استفادوا من هذا الغطاء الموقت لبناء منزل. ومن الملائم حقيق الأمر أنّه في اليوم عينه الذي أصدر فيه الوزير المشنوق التعميم رقم ٣٥٢، صدر قرار آخر من قبل مسؤولين يقضي بتعليق "السماح" بوجود بعض المنشآت التجارية في منطقة حي السلم. وكان قد بنى سكان هذه المنطقة منازلهم بصورة تدريجية، على مر عقود من الزمن، في مخالفة لقوانين البناء وقواعد التنظيم المدني، واستفادوا من "التسامح" عينه، وأدركوا اليوم أنّ "الخدمات"تُمنح وتُسلب بحسب تغير الظروف السياسية. طالما ستبقى مقاربة عمليات البناء مقاربة خدماتية وليس حقوقية، ستبقى الأغلبية في خانة "زبائن" وليس "مواطنين".

على مستوى ثالث وأخير، يقوّض التعميم رقم ٣٥٢ سلطة مديريات التخطيط المحلية والسلطات البلدية. من الواضح أنّ السلطات البلدية، مهما كان مستوى مهارتها أو طبيعة نياتها، ستبقى عاجزة عن التصدي لهذا الإجراء وسحب الرخص حتى حين تؤدّي هذه الأخيرة إلى تدمير الأراضي الزراعية و\أو الطابع التاريخي والثقافي للبلدات القديمة. ومن موقعي كعضو سابق في مجلس بلدي، وكأستاذة ذات خبرة في التخطيط، وفي وقت تم فيه تمديد إجراء مماثل، يمكنني الجزم بأنّ الموافقة الممنوحة من قبل الوزير تجعل من المستحيل للسلطات المحلية مقاومة الضغط. بالفعل، لا يوجد معايير قانونية أو أطر أو وسائل بنيوية تُمكّن السلطة المحلية من التفسير لناخبيها أسباب عدم قدرتها عن منحهم ما سبق للوزير أن قال إنّه لهم. وفي ظل الضغط من قبل الناخبين الذين هم في العادة من العائلة نفسها أو مناصرين لأعضاء المجلس البلدي، تجد السلطات المحلية نفسها مجبرة على إصدار الرخص، خصوصاً حين يصوب المواطنون على انتشار الممارسات غير القانونية لمن هم في موقع سلطة ومن يجاهرون بما يسمى مشاريع تطويرية تنتهك بشكل دوري وفاضح قوانين البناء والبيئة والتخطيط.

ختاماً علينا التنبه إلى أنّ التعميم رقم ٣٥٢ يناسب بشكل تام المقاربة الحالية التي ينطلق منها صانعو السياسات: مسار غير رسمي خاص "لإنتاج" سياسات يرفض تماسك الأطر القانونية حيث يتمتع المواطنون والمواطنات وممثلوهم بالحقوق والواجبات. إذا كان هذا التعميم بالفعل كما قال العديد من الأشخاص، يصل لمستوى الرشوة الانتخابية، يجب توجيه الاستنكارات العالية الصوت التي سمعناها بوجه من لا يزال يرغب بإبقائنا تحت خانة "الزبائن"، ولنقول له بأننا في انتظار اختبار المواطنة ونأمل بالتصويت لصانعي السياسات الحقيقيين الذين سيفعّلون دور البرلمان الرقابي وتحميل الوزراء المسؤولية حين يخفقون في الاحتكام الى القانون.

دكتورة في التخطيط العمراني في الجامعة الاميركية في بيروت وباحثة مشاركة في المركز اللبناني للدراسات
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر