الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأربعاء 22 تشرين ثاني 2017
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-08-31الكاتب:طارق زيادةالمصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
 شجاعة القضاء كمؤسسة لا القضاء كفرد
 
عدد المشاهدة: 50
لا يسع أيّ مهتمّ بأمر الإصلاح القضائي في لبنان والعالم العربي أن يمرّ مرور الكرام بالمقال المميّز الذي نشرته "قضايا النّهار" للأستاذ سلام الكواكبي بتاريخ الأول من آب 2017 بعنوان: "انتحار القاضي وانتحار القضاء"، إذ يتميّز بدقّة التحليل وبالإشارات الموحية، مما يدعونا إلى تأييد معظم ما ورد فيه مع تحفّظنا على الانتحار عامّة وانتحار القاضي خاصّة، معتبرين ذلك هروبًا من المواجهة والتحدّي; بصرف النّظر عن واقعة انتحار القاضي الفرنسي المتقاعد وظروفها والذي ختم رسالته إلى صديقه يائساً قائلًا: "العمر له دور، لا أملك من القوّة ما يكفي لأحارب. لقد ختمت مصيري". 

أعادني مقال الأستاذ الكواكبي إلى ما كتبه الصديق جهاد الزين في صفحة قضايا في النهار بتاريخ 19/05/2005 مورِداً: "لا تاريخ سياسي، أي لا تاريخ من الشجاعة السياسيّة للقضاة اللبنانيّين..... الشجاعة كما الكفاءة في القضاء اللبناني لا تزال غير سياسيّة"، وقد علّقت آنذاك على تلك المقالة الذكيّة بما عنوانه: "شجاعة القضاء كمؤسّسة لا القضاء الفرد". وها أنا اليوم أجد من الضروري تكرارها.

ولأنَّ الشأن القضائي لم يعُد مسألة قُضاة منعزلين في برجهم العاجيّ مستندين إلى موجب التحفّظ وداعي الحياد، وجدت نفسي مسوقاً أيضًا إلى التّعقيب على مقال الأستاذ الكواكبي، بعد أن أضحى القضاء وشؤونه وشجونه في العالم العربي من واقعات الأمور الراهنة التي تمسّ حياة الناس جميعاً ويهتمّ لها الرأي العام ووسائل الإعلام، كما هو ملاحظ ومُشاهد يوميًّا، ولا سيّما وأن القضاء بصفته السّلطة الثالثة في الدولة الديموقراطيّة الحديثة لم يعد في معزل عن مجريات الأحداث.

والواقع أنَّ طرح مسائل التغيير في الوضعَين اللبناني والعربي، يقتضي أن يتضمَّن بكلّ تأكيد الإصلاح القضائي، إذ لا قيام لدولة عصريّة إلا إذا كانت دولة قانون، ولا تقوم دولة القانون إلا على العدالة واحترام الحقوق العامّة والحريّات الأساسيّة، ولا يتحقّق ذلك إلّا بوجود قضاءٍ مستقلّ ونزيه وشفّافٍ وجريء، ولا يقوم مثل هذا القضاء بالصّفات المذكورة التي تجعله جديرًا باسمه كسلطة دستوريّة إلّا في دولة ديموقراطيّة تحترم مبدأ فصل السلطات ويكون عنوانها الأكبر احترام كرامة الإنسان وحريّته، ذلك أنَّ القضاء ليس جزيرة منعزلة عمّا هو سائد ومسيطر في بلد من البلدان، بل هو يؤثّر ويتأثّر بما يجري حوله، أو كما أشار الأستاذ الكواكبي إلى: "الدول العربيّة خصوصاً، حيث هي ناقصة أو عديمة الديموقراطيّة وتفتقر إلى فصل السلطات، وحيث تخضع السلطة القضائيّة واقعاً وبشكل عمليّ للأجهزة الأمنيّة أو أصحاب السّطوة والتّرغيب، وما أكثرهم في هذه الأصقاع المحرومة من دولة القانون".

وبالفعل فإنَّ استقلال السلطة القضائيّة، وليس فقط استقلال القُضاة كأفراد، لا يمكن تحقيقه إلا بتغيير أساسي يصنعه التطوّر الديموقراطي العام، إذ بات من الوضوح في مكان كبير أنَّ استقلال القضاء في الدول المتقدّمة هو سمة من سمات انتساب المجتمع إلى الديموقراطيّة وإلى مبدأ سيادة القانون التي تخضع لها جميع السلطات كما قال المفكّر القانوني الفرنسي الكبير رينه كاسان، لذا فإنَّه لا يمكن بحال من الأحوال فصل قضية استقلال القضاء عن قضيّة التطوّر الديموقراطي في أي بلد من البلدان، وهذا ينطبق بطبيعة الأمر على سائر الدول العربيّة.

سبق لي أن أوردتُ بصدَد مقال الأستاذ الزين في عام 2005، ما أكّدت عليه شرعة أخلاقيات القضاة اللبنانيّين الصادرة في تلك السنة من أنّه: "لا نستطيع أن نتخيّل قضاءً سويًّا بلا قُضاةٍ شجعان. والشجاعة المعنيّة هي الجرأة التي تدفع القاضي إلى حَسم الموقف واتّخاذ القرار بالرغم من ظروف توشك أن تضعه في موضع التردّد أو الخشية أو الانصياع. إنها الشجاعة الأدبية التي هي مواجهة لا هروب وتصميم على إعلان الحق دون سواه".

وأردفتُ قائلاً إن الشجاعة المطلوبة ليست في كل حال شجاعة سياسيّة لقاضٍ فرد يتحوَّل بطلًا وحيدًا في مواجهة السلطة السياسيّة، بل هي الشجاعة الأدبيّة للمؤسّسة القضائيّة بأسرها، المضمونة بجوّ ديموقراطي سليم وخاصّة باستقلال السلطة القضائيّة، وليس فقط باستقلال القاضي، المطلوب بكلّ تأكيد، مع كلّ الحصانات القضائيّة.

وعليه، فإنّني أتوجّه للأستاذ الكواكبي ردًّا على سؤاله: "كم من القُضاة العرب الذينَ يمكن أن ينتحروا، إن هم شعروا للحظة بظُلم ما اقترفوه وببراءة مَن حكموه وبجريمة مَن منَحوه حريّة مدفوعة أم مفروضة؟"، مؤيّدًا جوابه بأنَّ: "القُضاة العرب ليسوا هم المسؤولين بل هي الأنظمة السياسيّة المستبدّة".

وإن كنتُ أودُّ أن يكون القُضاة العرب أفرادًا مقدامين وأن لا يتواروا وراء ضغوط السلطات السياسيّة وأن لا يهربوا منتحرين ممهّدين بذلك للتطوّر الديموقراطي في بلدانهم وعنوانه الأساسي: استقلال السلطة القضائيّة.
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر