الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الثلثاء 28 اذار 2017
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-03-07الكاتب:منى فياضالمصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
 الطبقة السياسية التي بهدلت التوافقية - منى فياض
 
عدد المشاهدة: 24

التوافقية اللبنانية قضت على الديموقراطية.

كثيرا ما يوصف النظام اللبناني بأنه فيدرالية طوائف. لكن كونفيدراليات الطوائف اللبنانية اصبحت أشبه بديكتاتوريات يديرها زعماء ورجال دين.


اعتبر ليبهارت مؤلف كتاب "الديموقراطية التوافقية" والذي يعد أول من أرسى هذا المفهوم، ان النظام اللبناني ظل ديموقراطية توافقية منذ عام 1943 حتى العام 1975 حين اندلعت الحرب الاهلية.


لقد اوجد لبنان المجتمع التعددي ترتيبا انتخابيا بين طوائفه التي يبلغ عددها الثماني عشرة يمكن ان يوسم: "بنظام تمثيلي نسبي مسبق الضبط على أساس طائفي او ديني" واضيف مناطقي. لا تنتمي الوسائل المعتمدة في انتخاب رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان الى انظمة التمثيل النسبي المألوفة غير انها كانت نسبية من حيث المفعول. وكثيرا ما امتدح هذا النظام النسبي لكونه ينتج التسويات والانسجام لأن المرشح يحتاج فيه الى اصوات الناخبين من طائفته ومن الطوائف الاخرى. فالدستور ينصّ على أن عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء، ولا يجوز أن تُربط وكالته بقيد أو شرط من ناخبيه. لذا يعتبر الجدل الدائر حول قوانين الانتخاب مناقض لنص الدستور (المادة 27). فالسجال يدور على صحة التمثيل ويتم البحث عن قانون يجعل من النائب ممثلاً لطائفته ومنتخبا منها.


تمثل موطن ضعف الدولة الأساسي، التي ظل وضعها مُرضياً لأكثر من ثلاثين سنة، في المأسسة غير المرنة للمبادئ التوافقية. فالتعيينات الطائفية في المناصب العليا والنسبية الانتخابية المسبقة الضبط اللتين ميزتا الطوائف المسيحية التي كانت أكثرية في إحصاء 1932، أظهرت المارونية السياسية قصوراً في التكيف السلس مع فقدان المسيحيين تدريجياً وضع الأكثرية لصالح المسلمين.


حتى انهم لم يعتبروا حُكم فؤاد شهاب، الذي حاول الاصلاح وبناء دولة مواطنة ، مارونيا كفاية وأسقطت التحالفات الطائفية نهجه. لقد فوّت الموارنة فرصة تسويق عقيدة وطنية لبنانية جامعة تؤسس لها بسلسلة برامج اجتماعية خدماتية وتربوية لتطوير النظام ليصبح اكثر مدنية وعصرية.


لكن ليبهارت لا يجد هذا الجانب وحده كافيا لتفسير اندلاع الحرب الاهلية، وإذا ما كان كفاح الطوائف الدينية المختلفة من أجل الاستقلال وحّدها وساهم في إرساء الديموقراطية التوافقية؛ لكن تفاقم صراعات الشرق الاوسط بعد الاستقلال أثّرت في اختلال التوازن ففجرتها، مقرونة بالعيب الداخلي المتمثل في الجمود التوافقي.


وضع اتفاق الطائف حداً للحرب الاهلية، لكنه كرس الطبقة السياسية إياها وتوج أمراء الحرب حكاماً سياسيين ديكتاتوريين فغيبت المؤسسات الدستورية وبقيت هيمنة الميليشيات. لكن الجديد كان نفوذاً أقل للموارنة وتكريس نفوذ طبقة جديدة تكونت من اتباع السوريين في لعبة الفساد. كما ساهم ببروز المؤسسة الدينية. فقبل الطائف كانت الكنيسة المارونية مؤسسة في الكيان، بينما غلب رجال الدين المسلمون على امرهم لصالح السياسيين. لكن انقلب الوضع الآن، فقد تهمشت الكنيسة لصالح السياسيين الذين يستخدمون الدين ساعة يشاءون، في حين تصاعد دور الدين ومؤسساته القديمة والمستجدة لدى المسلمين في لبنان. بدا الأمر وكأن الزعيم الديني قد أصبح راعي طائفته، مشاركا في معركة الحصص وفي الضغط من اجل مصالح الطائفة في توزيع المناصب والوظائف.


ازدادت سلطة رجال الدين وامتدت الى الشأن الثقافي والفني العام من ايقاف أغنية الى منع شعر او فيلم بمجرد إشارة الى الأمن العام الذي ينفذ فوراً من دون اي اعتراض. يعتبر كمال ديب ان هذا الصعود الديني استند الى دستور الطائف الذي أجاز للسلطات الدينية حق الاستئناف أمام السلطات القضائية اللبنانية حول أي قانون أو مرسوم يضر او يمس – بنظر هذه السلطات الدينية – بطائفة او بحرية المعتقد وحرية الضمير وحق التربية والتعليم الديني. ومن هنا عاينا الدور الرقابي الذي يمارسه رجال الدين كلما اشتد النقاش حول مواضيع معينة، مثل: تدخلهم ضد الزواج المدني وضد قانون العنف الاسري الى ما هنالك. ما أدّى الى ضياع حرية وحقوق الأفراد وطغيان الديني على المدني في لبنان القرن الحادي والعشرين.


الدولة الأمنية وقمع الحريات وضرب الحركات النقابية، النظام الذي ظهر في التسعينات أمسك بالأمن وضرب المعارضة المسيحية التي رفضت دولة ما بعد الحرب او الوصاية السورية على الدولة. فتراجعت الحريات العامة ومنعت التظاهرات واعتقل المعارضون.


لكن الأهم في كل ذلك كان تفتيت الحركة النقابية وضرب استقلالية الاتحاد العمالي العام الذي كان له دور فاعل منذ الستينات وحتى نهاية الحرب. وحصل السيناريونفسه في الجامعات، فضربت الحركة الطلابية. كما تم التدخل في شؤون الحريات الاعلامية والضغط على الصحف والاذاعات ومحطات التلفزة واصدرت مراسيم قلصت من حرية الصحافة. الأمر الذي لا تزال تداعياته مستمرة حتى الان وأدى الى ضرب الحركات النقابية والمجتمع المدني ككل؛ وجعل هذه القوى تحت رحمة الاحزاب المذهبية الممسكة بالسلطة. واجهاض الحراك المدني ذي الطابع العلماني شاهد على ذلك.


أنتج هذا الواقعَ أمران مترابطان: الامساك بالسلطة من قبل ديكتاتوريات لزعماء واحزاب طوائف ومأسسة الفساد وتطبيعه.


تحت شعار التوافق أوصلتنا الممارسات السياسية لائتلاف نخب الطوائف الى إضعاف الدولة ومؤسساتها وتفككها لأنها ذهبت بعيدا في تكريس سلبيات الديموقراطية التوافقية.


فالطائفة او القطاع الذي ينتمي اليه الفرد قد يقف حائلاً بينه وبين المجتمع الوطني والحكومة، لأنه سيكون متجانساً مع بيئته بصورة قهرية. ومن مخاطر الدفع بمعادلة حقوق الجماعات والاقليات الى أقصاها: تصرف الأقلية وكأنها دولة قائمة بذاتها تهتم حصريا بأمور اتباعها: فتصبح طائفة أمة لها سلطة على اتباعها من المهد الى اللحد، تهيمن بشكل ديكتاتوري على من معها بحجة حمايته وحقوقه من الجماعات الاخرى، وتكاد تمتلك مجموعة كاملة من المؤسسات الاجتماعية والتربوية والاعلامية... وحتى العسكرية، كما يحصل في حالة حزب الله، والمشكلة أنه خاضع لنفوذ أجنبي.


تستلزم التوافقية "سيادة النخبة المنظّمة" تعني هنا لويا جرغا الطوائف؛ كما تستلزم بالمقابل، دوراً امتثالياً وخاضعاً للمجموعات من غير النخبة، التي تعني في لبنان ما صار يُعرف بالمجتمع المدني الذي ترجمت وجوده بوضوح انتخابات البلدية وتجربة بيروت مدينتي.


وتقع على عاتق زعماء الطوائف مهمة القيام بالتسويات السياسية مع بقية الزعماء وتقديم التنازلات لهم، والحفاظ على ثقة قواعدهم. لذلك يكون من المفيد ان يمتلكوا سلطة مستقلة كبيرة وموقعا آمنا في القيادة. غير ان هذا يستتبع، ما هو حاصل الآن، موقعا ديكتاتوريا.


تستدعي الوحدة تجاه التهديدات الاجنبية التضامن، والنظر اليها كتهديد من جميع مكونات المجتمع. والا فهي تؤدي الى تفاقم الوضع وانقسامه، كما هو حاصل في لبنان. كما ان تطابق احد القطاعات الداخلية مع الخارج يؤدي الى مزيد من الانقسام، وهذا ما اوصلتنا اليه سياسة حزب الله المتطابقة مع ايران وسياستها ولو ضد مصلحة لبنان. وأوصل البلد الى الحائط المسدود. لعل اكثر انتقادات الديموقراطية التوافقية جدية:


العجز عن احلال الاستقرار السياسي. لأنها تقود الى التردد وعدم الفعالية والقرارات البطيئة.


الفيتو، الذي يؤدي الى تجميد القرارات والركود، لم يكن مستخدما في لبنان قبل تفعيله من قبل حزب الله عبر الثلث المعطل، وعادة لا يتم اللجوء اليه لأن مجرد وجوده يعد ضمانة ولكي لا يستعمله الخصم في الظروف المعاكسة. لكن حزب الله استخدمه الى حده الاقصى وأجبر الآخرين على التنازل اعتمادا على هيمنته بقوة سلاحه واستناده الى ايران. النسبية كمعيار لتوظيف العاملين في الادارات الحكومية يستتبع اولوية تمثيل الطوائف، ما يعني انها ستكون على حساب الكفاية الادارية. وهكذا ما سيجعلها دولة فاشلة او تلغي ذاتها.


مع هذا سيظل أي إصلاح مستعصياً في دولة تعاني من نقص في الحرية والسيادة والاستقلال.

تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر