الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 17 كانون أول 2017
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-02-21الكاتب:المصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:انتخابات لبنان
 الدوائر الصغرى لم تُرسِل متطرفين... - مارون يوسف يزبك
 
عدد المشاهدة: 135
"لقد اعتمدت هذه البلاد التمثيل الطائفي منذ الدواوين التي أنشأها إبرهيم باشا في المدن الكبرى، مروراً بالقائمقاميّتين فالمتصرفية فلبنان الكبير فالانتداب حتى الاستقلال". فأي دوائر انتخابية صالحة فعلا لتأمين التمثيل الفعلي؟"

إن العيش المشترك في المجتمعات المتعددة كلبنان هو عقد اجتماعي بين الجماعات يتفق فيه الجميع على قواعد تسمح لكل جماعة بأن تمتلك مساحة تتيح لها المشاركة في القرار والتعبير عن رأيها بكل حرية، مع احترام رأي الآخرين.

ولكي تتمكن كل جماعة من الشعور بالرضى والتعبير عن رأيها، لا بد أن تكون متمثلة في المؤسسات السياسية الديموقراطية التي تتيح للجميع أن يشاركوا في القرار وفي بناء الدولة. وهذا لا يتحقق إلا عندما تكون كل الجماعات ممثلة في المؤسسات أي عبر الديموقراطية التوافقية، أو ما نسميه التمثيل الطائفي أو قاعدة الكوتا.

والتمثيل الصحيح في الأنظمة الديموقراطية لا يتحقق إلا عبر قانون انتخابي عادل يؤمن هذا التمثيل. فمن شأن كل قانون إنتخابي سليم أن يعكس خصائص المجتمع السياسي بأسره. كما أن العادات والتقاليد السياسية لها تأثير عميق على الشعوب ومؤسساتها.

وبالتالي عند دراسة أي قانون إنتخابي، علينا أن نأخذ بعين الإعتبار التطور التاريخي الذي أدّى إلى الخيارات الحالية وأن نتأمل بما ترمز إليه القواعد القانونية التي تتابعت على مر الزمن.
لقد اعتمدت هذه البلاد التمثيل الطائفي منذ الدواوين التي أنشأها إبرهيم باشا في المدن الكبرى، مروراً بالقائمْمَقاميتين فالمتصرفية فلبنان الكبير فالانتداب حتى الاستقلال. وإذا كان هناك من تمنيات أو "هدف وطني" لإلغاء هذه القاعدة، فلندع التاريخ يغيّر ما صنعه التاريخ. فلا يستطيع أي قانون أن يغيّر المجتمع.

فاللبنانيون متوافقون، على الأقل في الوضع الراهن، على وجوب إعتماد قاعدة التمثيل الطائفي في الإنتخابات النيابية (مع الإعتذار من الذين لا يعرفون تركيبة هذا المجتمع وتاريخه).
وإذا جاء الدستور بعد تعديلات 1990 يقول بتوزيع المقاعد النيابية:

- بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين.
- ونسبياً بين طوائف كل من الفئتين.

فالإقتناع كان صادقاً لدى المؤتمرين في الطائف بأن المشاركة وفقاً لأسس وفاقية تحفظ الوحدة والتساوي والمساواة. ذلك أن عدم تطبيق قاعدة التمثيل الطائفي قد يؤدي إلى عزل بعض الأقليات الصغرى عزلاً دائماً.
وإذا أردنا أن نحد من النفسية الطائفية بمعناها السلبي والعدائي للآخر، فيجب أن نسعى دائماً إلى أن تتمثل كل شرائح المجتمع على جميع المستويات. هل يمكن أن نجعل إبرهيم باشا أفطن منا بفهم تركيبة المجتمع اللبناني؟

لن أقوم بعملية تقويمية للنظام الإنتخابي الحالي فقد عولج الموضوع على يد أكثر من باحث. أكتفي بالقول إن من أهداف النظام الإنتخابي أن يشعر الناس أنهم ممثلون. وهذا المبدأ ينطبق أكثر ما يكون على بلد قائم على التعددية كلبنان حيث يجب على نظام الإنتخابات أن يؤمن طمأنينة نفسية لكل الأقليات. وكل الطوائف في لبنان هي أقلية.

فالمشكلة هي مشكلة نفسية وسياسية في آن. إذ إن هناك شعوراً لدى أقليات بأنها غير ممثلة. فلا يكفي أن تتمثل الأقليات بالعدد المحدد لها في الكوتا الإنتخابية، بل يجب أن تشعر فعلياً أنها ممثلة وغير مهيمن عليها. فعندها تشعر بأنها شريك في المجتمع السياسي وهذا من مقومات العيش المشترك الذي يؤدي إلى إزالة الغبن من النفوس. وهنا يلعب قانون الإنتخاب، بتقسيمه الدوائر، دوراً حاسماً في إزالة هذا الشعور.

فالمطلوب أن لا تفرز مناطق بشكل إصطناعي وأن لا تدمج مناطق بشكل إصطناعي. كما أن حجم الدائرة في هذا المجال يحدّ من الخلل في النظام التمثيلي الذي لا يمكن أن يرضي جميع الناس.

وقد صار إقتناع لدى الكثيرين في العالم أنه كلما صغرت الدوائر كلما إزداد التمثيل صحة. والبرهان على ذلك الدوائر الفردية في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرها. وقد أثبتت التجارب أنه توجد في كل دائرة كبيرة قوة سياسية، حتى لا نقول طائفية، تستقطب فئة كبيرة من الناخبين فتصادر تمثيل الفئات الأخرى التي تصبح مهمشة.

والقول أن الدائرة الصغرى تعزز التطرف الطائفي، إذ أن الدائرة الصغرى هي الدائرة الأكثر تجانساً طائفياً أو مذهبياً، هو كلام غير دقيق لأن الصراع في مثل هذه الدوائر سيكون داخل الطائفة الواحدة أو المذهب الواحد، فلا يكون هناك مجال للتجاذبات الطائفية. فالدوائر المتجانسة طائفياً كزغرتا أو صيدا مثلاً لم ترسل أبداً إلى المجلس النيابي متطرفين، بينما نرى التطرف في بعض الحالات الأخرى. والدوائر الصغرى فضلاً عن كونها تتيح للناخب أن يعرف المرشحين عن كثب فيختار عن إقتناع، فإنها تجعله يشعر بأنه ينتقي فعلاً ممثليه وأن صوته له ثقله في العملية الإنتخابية.

على أي حال، إن تاريخ الأنظمة الإنتخابية عندنا عريق في هذا المجال حيث دلت التجارب على أنه في الدوائر الصغرى تحافظ الأقليات على حقوقها المعترف بها في إيصال ممثليها الحقيقيين، وتسمح بالتالي لهذه الأقليات بأن تصون شخصيتها التي إعترف بها الدستور.

ولا أظن أن المشاركين في مؤتمر الطائف قد غابت عنهم هذه الإعتبارات. ولهذا جاء في وثيقة الوفاق الوطني: "تجري الإنتخابات وفقاً لقانون جديد على أساس المحافظة، يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله، وفعالية ذلك التمثيل، بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري وفي إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات".

والمعلوم أن التقسيم الإداري لا يرتبط حتماً بتقسيم الدوائر الإنتخابية. أمّا وقد سمعنا وقرأنا أن النية كانت بتحويل الأقضية إلى محافظات وجعلها دوائر إنتخابية مع بعض التعديلات التي لا تؤثر كثيراً على جوهر المبدأ. فلا نعتقد أن إتفاق الطائف كان يهدف إلى تكبير الدوائر أو جعل لبنان دائرة واحدة. بل كان هدفه الأول وهدف التعديلات الدستورية إيجاد صيغة توافقية لضمان العيش المشترك. وقد رأينا أنه لا يمكن أن يكون هناك عيش مشترك إذا شعر البعض بالغبن أو بعدم المشاركة الفعلية وبالتهميش.

ولا تتحقق المشاركة إلا إذا شعر كل مواطن أنه ينتخب فعلياً ممثليه ولا يكون ذلك إلا من خلال الدوائر المصغرة. وإذا إتفقنا على هذا المبدأ فلا تعود هناك مشكلة مستعصية في كيفية تقسيم الدوائر والتفلسف في صيغ الإقتراع. الإختصاصيون كثر والقانون الدستوري صدره رحب.

دكتور في الحقوق وأستاذ جامعي
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر